»أَبناؤُنا لا يُربَّونَ بالتَّهديدِ الدَّائِم«:

أيُّها الأب المُربي، وأيَّتُها الأُمُّ الرحيمة!

اعلما أَنَّ تربيَةَ الأَبناءِ ليسَتْ قوانينَ جامدَةً، ولا معادلاتٍ حسابيَّةً: إنْ فعلْتَ أَعطيتُكَ، وإنْ قصَّرَتَ حرمتُكَ، وإنْ خالفتَني عاقبتُكَ!

فكثرَةُ التَّهديدِ والعقوبَةِ قدْ تُنتِجُ طفلًا خائِفًا، أَو بارِعًا في الكَذِبِ وإخْفاءِ أَخطائِهِ؛ ولكنَّها لا تبني قلبًا مؤْمِنًا، ولا شخصيَّةً سويَّةً تتحمَّلُ المسؤُوليَّةَ.

إنَّ الأَصلَ في التَّربيَةِ النَّبويَّةِ هو: «الرَّحمَةُ والرِّفقُ والقُدْوَةُ والصَّبْرُ»؛ قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:»ما كانَ الرِّفقُ في شَيْءٍ إلَّا زانَهُ، ولا نُزِعَ مِنْ شَيْءٍ إلَّا شانَهُ«.

وتأَمَّلوا نبيَّ اللهِ نوحًا - عليهِ السَّلام - وقدْ عصاهُ ابنُهُ وابتعَدَ عنهُ، ومع ذلكَ ناداهُ بأَرَقِّ خطابٍ:

﴿يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا﴾.

لم يمنعْهُ خطأُ ابنِهِ منَ النُّصحِ، ولم يتحوَّلْ قلبُ الأَبِ إلى قلبِ خصْمٍ، ولم يُغلِقْ بابَ الرَّحمَةِ والرُّجوعِ.

وهذا لا يعني تركَ الحزْمِ؛ فالحزْمُ مطلوبٌ، ولكنَّهُ غيرُ القسوَةِ.

- الحزْمُ: قواعِدُ واضحَةٌ، وعَدْلٌ، وثباتٌ، وتدرُّجٌ.

- أَمَّا القسوَةُ: فصراخٌ، وإهانَةٌ، وضرْبٌ حالَ الغضَبِ، وعقوبَةٌ أَكبرُ من الخطأِ، وحرمانٌ للابنِ من الحبِّ والأَمانِ.

والعقوبَةُ في التَّربيَةِ «دواءٌ عندَ الحاجَةِ، وليسَتْ غذاءً يوميًّا»؛ تسبقُها التَّوعيَةُ، والتَّوجيهُ، والقُدْوَةُ، والحوارُ، ومعرفَةُ سببِ الخطأِ.

فلا تعاقبْ ولدَكَ على أَمرٍ لم تُعلِّمْهُ، ولا تطلِبْ منهُ خُلُقًا لا يراهُ فيكَ، ولا تجعَلْ حبَّكَ لهُ مشروطًا بنجاحِهِ وطاعتِهِ الكاملَةِ.

قُلْ لَهُ:

- أَنا أُحبُّكَ، ولكنِّي لا أَقبلُ هذا التَّصرُّفَ.

- لقدْ أَخطأْتَ، ولكنَّ بابَ الإصلاحِ مفتوحٌ.

- أَنا معكَ، وسأُعينُكَ على أَن تكونَ أَفضَلَ.

وتذكَّرْ أَنَّ ابنَكَ ليسَ ساحَةً لإثباتِ السُّلطَةِ؛ بلْ هو مشروعُ أَجرٍ ممتدٍّ؛ فإنْ علَّمتَهُ الخيرَ فعمِلَ بهِ، كانَ لكَ من أَجرِهِ نصيبٌ بإذنِ اللهِ.

وخلاصَةُ التَّربيَةِ الرَّاشدَةِ:رَحمَةٌ تُقرِّبُ، وقدوَةٌ تُعلِّمُ، وحكمةٌ تُوجِّهُ، وصبرٌ يُمهِلُ، وحزمٌ يضبطُ، وعقوبةٌ عادلةٌ تُصلِحُ ولا تنتقمُ.

اللَّهُمَّ! أَصلِحْ لنا ذُرِّيَّاتِنا، وأَعنَّا على تربيتِهم بالرَّحمَةِ والحكمةِ والعدْلِ، واجعلْهم قرَّةَ عينٍ لنا في الدُّنيا والآخرَةِ.

كتبهُ: ‬عبد‭ ‬ا$ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬الأَثري‭.‬

Previous
Previous

»جهلُ الطَّريقِ يُورِثُ الجُرأَةَ على أَهلِ العِلْمِ«:

Next
Next

»حُرمَةُ أَئمَّةِ الدِّينِ: نقدٌ بعلْمٍ؛ لا إِسْقاطٌ بهوًى«: