»حُرمَةُ أَئمَّةِ الدِّينِ: نقدٌ بعلْمٍ؛ لا إِسْقاطٌ بهوًى«:

أَخي المسلم اللَّبيب!

اعلمْ - وفَّقني اللهُ وإيَّاكَ للعلْمِ والإنصافِ وحِفظِ أَلسنتِنا - أَنَّ الكلامَ في كبارِ العلماءِ وأَئمَّةِ الدِّينِ ليسَ بابًا مُباحًا لكلِّ متصدِّرٍ، ولا ميدانًا للتَّشفِّي واسْتِعراضِ الغَيرَةِ؛ فإنَّ العالمَ قدْ يزِلُّ ويخطئُ، ولكنَّ خطأَهُ يُرَدُّ بالدَّليلِ والأَدبِ، ولا تُهدَرُ بهِ إمامتُهُ، ولا تُمحَى حسناتُهُ، ولا يُجعَلُ غرضًا للسَّبِّ والتَّبديعِ والإسْقاطِ.

وقدْ ترجمَ الحافظُ ابنُ حجرٍ للقاضي جمالِ الدِّينِ الرَّيميِّ، وكانَ فقيهًا شافعيًّا صاحِبَ تصانيفَ وتلاميذَ، ثم نقلَ عن الجمالِ المصريِّ؛ أَنَّهُ شاهدَهُ عندَ وفاتِهِ، وقدْ اندلَعَ لسانُهُ واسودَّ، وقال: (فكانوا يرونَ أَنَّ ذلكَ بسبَبِ كثرَةِ وقيعتِهِ في الشَّيخِ محيي الدِّينِ النَّوويِّ).

وقدْ ساقَ ابنُ حجرٍ ذلكَ بصيغَةِ الحكايَةِ عمَّن رآهُ؛ لا على سبيلِ القطْعِ والجزْمِ بأَنَّ هذِهِ عقوبَةٌ معيَّنَةٌ مِنَ اللهِ؛ فالغيبُ لا يُجزَمُ فيهِ بغيرِ دليلٍ، ولكنَّ في الحكايَةِ عِبرةً لمنْ أَطلَقَ لسانَهُ في أَهلِ العلْمِ والفضْلِ.

والإمامُ محيي الدِّينِ النَّوويُّ - رحمه اللهُ - إمامٌ كبيرٌ مِن أَئمَّةِ الإسلامِ؛ خدمَ السُّنَّةَ والفقهَ، وانتفَعَتِ الأُمَّةُ بمصنَّفاتِهِ؛ كـ »شرحِ صحيحِ مسلمٍ« و»رياضِ الصَّالحينَ« و»الأَذكارِ« و»الأَربعينَ النَّوويَّةِ« و»المجموعِ«.

وليسَ معنَى تعظيمِهِ القولَ بعصمتِهِ، أَو قبولَ كلِّ اجتهاداتِهِ؛ فإنَّ العصمَةَ لرسُولِ اللهِ ﷺ، ولكنَّ الإنصافَ يقتضي أَن يُعرَفَ للعالِمِ قدرُهُ، ويُحفَظَ فضلُهُ، ويُبيَّنَ ما أَخطأَ فيهِ بعلْمٍ وعدْلٍ وأَدَبٍ.

فمَن وجدَ للإمامِ النَّوويِّ أَو لغيرِهِ من أَئمَّةِ الإسلامِ قولًا مخالفًا للدَّليلِ؛ فليَرُدَّ القولَ بالدَّليلِ، ولا يطعَنْ في النِّيَّاتِ، ولا يتطاولْ على المقاماتِ، ولا يُطلِقْ لفْظَ «المبتدعِ» على إمامٍ جليلٍ بسبَبِ مسائِلَ أَخطأَ فيها أَو تأَوَّلَها؛ فليسَ كلُّ مَن وقعَ في قولٍ بدعيٍّ يصيرُ مبتدعًا بإطلاقٍ، وليسَ كلُّ خطإٍ يُسقِطُ السَّوابقَ والفضائِلَ.

إنَّ بعضَ المتصدِّرينَ اليومَ يقرأُ صفحاتٍ معدودَةً، ثم يضَعُ نفسَهُ حَكَمًا على أَئمَّةٍ أَفنَوا أَعمارَهم في العلْمِ والتَّعليمِ وخدمَةِ السُّنَّةِ؛ فيتحدَّثُ عنهم بلسانِ الاحتقارِ، وكأَنَّ التَّبديعَ شهادَةُ تفوُّقٍ، والتَّطاوُلَ دليلُ ثباتٍ على المنهجِ!

وما عَلِمَ المسكينُ أَنَّ مِن علاماتِ العلْمِ معرفَةَ أَقدارِ العلماءِ، وأَنَّ مِن علاماتِ الجهْلِ المركَّبِ أَن يجهَلَ المرْءُ قدْرَ نفسِهِ وقدْرَ مَن يتكلَّمُ فيهِ.

وقدْ قالَ الحافظُ ابنُ عساكرَ رحمهُ اللهُ: (إنَّ لحومَ العلماءِ مسمومَةٌ».

وهي كلمَةٌ لأَهلِ العلمِ، وليسَتْ حديثًا نبويًّا، ومعناها التَّحذيرُ مِنَ الوقيعةِ الظالمةِ في أَعراضِ العلماءِ، لا منعُ بيانِ أَخطائِهم بالعلْمِ والعدْلِ.

فالمنهجُ الرَّاشِدُ وسطٌ بينَ طرفينِ: لا نقدِّسُ العلماءَ؛ فنمنَعُ مناقشَةَ أَقوالِهم. ولا نهدِمُ مكانتَهم بسبَبِ خطإٍ أَو اجتهادٍ؛ بلْ نُجِلُّهم، ونترحَّمُ عليهم، وننتفعُ بعلمِهم، ونَرُدُّ ما أَخطؤوا فيهِ بالدَّليلِ، ونحفظُ أَلسنتَنا عن السَّبِّ والتَّشهيرِ والتَّشفِّي.

فاحذرْ - رعاكَ اللهُ - أَن تجعَلَ الوقيعَةَ في أَئمَّةِ المسلمينَ علامَةً على صلابَةِ منهجِكَ؛ فإنَّ صلابَةَ المنهجِ تكونُ بالعلْمِ والعدْلِ والتَّقوى، لا بالفُحْشِ والجُرأَةِ وسوءِ الأَدَبِ.

فاللَّهُمَّ! ارزقْنا حُبَّ العلماءِ الرَّبَّانيِّينَ، ومعرفَةَ أَقدارِهم، والانتفاعَ بعلمِهم، وأَلسنَةً صادقَةً عادلَةً، تُبيِّنُ الخطأَ ولا تظلمُ صاحبَهُ، وتنصرُ الحقَّ ولا تتشفَّى مِن أَهلِهِ.

كتبهُ: ‬عبد‭ ‬ا$ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬الأَثري‭.‬

Previous
Previous

»أَبناؤُنا لا يُربَّونَ بالتَّهديدِ الدَّائِم«:

Next
Next

»ضِيقُ الكهفِ وسعَةُ الرَّحمَةِ«: