»ضِيقُ الكهفِ وسعَةُ الرَّحمَةِ«:
قد يضيقُ المكانُ، ولكنَّ رحمةَ اللهِ لا تضيقُ..
أَخي الدَّاعية اللَّبيب!
اعلمْ - وفَّقني اللهُ وإيَّاكَ للثَّباتِ على طريقِ الحقِّ، وصِدقِ اللُّجوءِ إليهِ - أَنَّ قيمَةَ السَّائرِ إلى اللهِ تعالى لا تُقاسُ بسَعَةِ المكانِ، ولا بزينَةِ الدُّنيا، ولا بكثرَةِ الأَسبابِ المادِّيَّةِ؛ وإنَّما تُقاسُ بسلامَةِ المنهجِ، وصِدْقِ القصْدِ، واستقامَةِ الطَّريقِ، وحُسنِ التَّوكُّلِ، والثَّباتِ على ما يُرضي اللهَ تعالى.
فقدْ يكونُ العبدُ في أَضيقِ مكانٍ مِنَ الأَرضِ، ولكنَّهُ في سَعَةٍ مِن رحمةِ اللهِ وأُنسِهِ وسكينتِهِ؛ وقدْ يكونُ في أَوسعِ القصورِ، وأَعظمِ متاعِ الدُّنيا، وقلبُهُ في ضيقٍ ووحشَةٍ واضطرابٍ؛ إذا حُرِمَ نورَ الهدايَةِ وحلاوةَ الإيمانِ وسكينَةَ اليقينِ.
وتأَمَّلْ حالَ أَصحابِ الكهفِ؛ فقدْ تركوا الأَهلَ والأَوطانَ، ومظاهِرَ القوَّةِ والجاهِ والتَّرَفِ؛ لمَّا خافوا على دينِهم، ولجؤوا إلى كهفٍ ضيِّقٍ في ظاهرِهِ؛ فإذا هو برحمَةِ اللهِ أَوسَعُ لهم مِن قصُورِ قومِهم، وأَأَمنُ على إيمانِهم مِن مُدُنِهم ومجالسِهم.
قالَ اللهُ تعالى: ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا﴾ [الكهف: ١٦].
فالعِبرَةُ ليسَتْ بالمكانِ الذي تأْوي إليهِ، وإنَّما بالرَّبِّ الذي تلجأُ إليهِ؛ وليسَتْ بكثرَةِ الوسائِلِ التي في يدِكَ، وإنَّما بصِدْقِ اعتمادِ قلبِكَ على اللهِ؛ معَ الأَخذِ بالأَسبابِ المشروعَةِ، وبذْلِ ما تستطيعُ مِنَ الجهدِ.فمَن صحَّ مقصدُهُ، واستقامَ منهجُهُ، وثبَتَ على الحقِّ، وصدَقَ في توكُّلِهِ؛ جعلَ اللهُ لهُ مِنَ الضِّيقِ فرجًا، ومِنَ الوحشَةِ أُنسًا، ومِنَ الخوفِ أَمنًا، ومِنَ القِلَّةِ بركةً، وقدْ يجعَلُ لهُ مِنَ الكهفِ الضَّيِّقِ ميدانًا للرَّحمَةِ والحفظِ والكرامَةِ.
وليسَتِ السَّعَةُ دائمًا في سَعَةِ الأَرضِ، ولا النَّجاةُ في كثرَةِ الأَعوانِ، ولا القوَّةُ في وفرةِ المالِ والعُدَّةِ؛ فقدْ تضيقُ الأَرضُ وتتَّسعُ الرَّحمَةُ، وتَقِلُّ الوسائِلُ ويعظُمُ التَّأْييدُ، ويغيبُ نصْرُ الخَلْقِ ويحضرُ لطفُ الخالقِ جلَّ وعلا.
فلا تغترَّ بزخارفِ الدُّنيا، ولا تَضِقْ بفقرِ الأَسبابِ، ولا تجعَلْ قلَّةَ الأَعوانِ سببًا للتَّراجُعِ عنِ الحقِّ؛ ولكنِ اسأَلْ ربَّكَ سلامَةَ المنهجِ، وصِدْقَ القصْدِ، وثباتَ القلبِ، وبركةَ العمَلِ.
فمَن كانَ معَ اللهِ بطاعتِهِ وافتقارِهِ وتوكُّلِهِ؛ كانَ اللهُ معهُ بحفظِهِ وتأْييدِهِ وتسديدِهِ؛ ومَن تولَّاهُ اللهُ برحمتِهِ، لم يضرَّهُ ضيقُ المكانِ، ولا قلَّةُ المالِ، ولا ندرَةُ الأَعوانِ.
فاللَّهُمَّ! ثبِّتْنا على الحقِّ، وانشُرْ علينا مِن رحمتِكَ، وهيِّئْ لنا مِن أَمرِنا رَشَدًا ومِرْفَقًا، واجعَلْ قلوبَنا برحمتِكَ أَوسَعَ مِن كلِّ ضيقٍ، وأَغنِنا بكَ عمَّن سواكَ، ولا تَكِلْنا إلى أَنفسِنا طرفةَ عينٍ.. آمين!
كتبهُ: عبد ا$ بن عبد الحميد الأَثري.

