»الحِسبَةُ في الهَدْي النَّبويِّ« إصلاحٌ برحمَةٍ وبصيرَةٍ:
أَخي المُسلم اللَّبيب!
اعلمْ - وفَّقني اللهُ وإيَّاكَ للغيرَةِ على حُرُماتِ اللهِ بعلْمٍ وحكمَةٍ ورحمَةٍ - أَنَّ الحِسبَةَ في «الهَدْيِ النَّبويِّ» ليسَتْ صخَبًا، ولا تشهيرًا، ولا تتبُّعًا للعثراتِ، ولا اندفاعًا مجرَّدًا باسمِ الغيرَةِ..!
وإنَّما هيَ؛ «قيامٌ بحقِّ الأَمرِ بالمعروفِ والنَّهيِ عن المنكرِ، وقصْدٌ لإصلاحِ الخَلْقِ والمجتمَعِ، ضمْنَ ضوابطِ العلْمِ والعدْلِ والرِّفقِ والاستطاعَةِ وفقهِ المآلاتِ».
قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
• ومِن أَبرَزِ ثمراتِ هذا المنهجِ إذا أُقيمَ على وجهِهِ الشَّرعيِّ:
١- تقويَةُ المعروفِ وتضييقُ دائرَةِ المنكرِ:
فإذا بُيِّنَ الحقُّ بالحكمَةِ، ونُصِحَ المخطِئُ بالرِّفْقِ، وقامَتِ الأُمَّةُ بوظيفَةِ الإصْلاحِ، قويَ سُلطَانُ الفضيلَةِ، وضعفَتْ أَسبابُ المجاهرَةِ بالفسادِ.
٢- الإسهامُ في بناءِ أُمَّةٍ مستحقَّةٍ للتَّمكينِ:
فالتمَّكينُ في «القرآنِ» مرتبِطٌ بإقامَةِ العبوديَّةِ والشَّعائِرِ والإصْلاحِ، قالَ تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾.
٣- حمايَةُ المجتمَعِ مِن أَسبابِ الفسادِ والعدوانِ:
فالأَمرُ بالمعروفِ والنَّهيُ عن المنكرِ - إذا أُقيما بالعلْمِ والعدْلِ - يحفظانِ الحقوقَ، ويحدَّانِ مِن انْتِشارِ الفسادِ، ويُقوِّيانِ المسؤوليَّةَ الأَخلاقيَّةَ والاجتماعيَّةَ.
٤- اسْتِجلابُ أَسبابِ البركَةِ والرَّحمَةِ:
فالإيمانُ والتَّقوى والطاعَةُ مِن أَعظَمِ أَسبابِ البركاتِ، قالَ تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾.
غيرَ أَنَّ الحِسبَةَ النَّبويَّةَ؛ ليسَتْ غِلظَةً تُنفِّرُ النَّاسَ، كما أَنَّها ليسَتْ مداهنَةً تُضيِّعُ حدودَ اللهِ؛ بلْ هيَ علْمٌ قبْلَ الإنكارِ، ورِفقٌ في البيانِ، وعدْلٌ في الحكمِ، وحكمًةٌ في الأُسلوبِ، وصبرٌ على طريقِ الإصلاحِ، ونظرٌ في المصلحَةِ والمآلِ.
فليسَ المحتسِبُ الرَّاشِدُ مَن يُكثِرُ الإنكارَ فحسْبُ، وإنَّما مَن يُحْسِنُ معرفَةَ المنكرِ، ومرتبتِهِ، ووقْتِ إنكارِهِ، وطريقَةِ تغييرِهِ، وما يترتَّبُ على ذلكَ مِن مصالحَ ومفاسِدَ.
فاللَّهُمَّ! اجعلْنا مِنَ الآمرينَ بالمعروفِ والنَّاهينَ عن المنكرِ بعلْمٍ وبصيرَةٍ ورحمَةٍ، وأَصلحْ بنا ولا تجعلْنا سببًا للفسادِ، واهدِنا واهدِ بنا، واجعلْنا مفاتيحَ للخيرِ، مغاليقَ للشَّرِّ.. آمين!
كتبهُ: عبد ا$ بن عبد الحميد الأَثري.

