»الصِّدْقُ ميثاقُ القُلوبِ وقِبلَةُ الأَرواح«:

أَخي المُحِبّ الصَّادق!

اعلمْ - نوَّرَ اللهُ بصيرتَكَ - أَنَّ الحُبَّ الصَّادِقَ ليسَ تزيينًا للواقعِ بالكلماتِ، ولا صناعَةَ صورَةٍ جميلَةٍ تُخالفُ الحقيقَةَ؛ بلْ هو »انْعِكاسُ الصِّدْقِ في مرآةِ الشُّعورِ« وظهورُ ما في القلْبِ على اللِّسانِ والسُّلوكِ والموقِفِ.

والصِّدْقُ في الحُبِّ ليسَ مجرَّدَ تركِ الكذبِ في الأَلفاظ؛ بلْ هو »اسْتِقامَةُ الباطِنِ والظاهِرِ معًا«؛ بحيثُ لا يجدُ مَن تُحبُّهُ في غَيبتِكَ خلافَ ما يراهُ في حُضورِكَ، ولا يجدُ في قلبِكَ ضدَّ ما نطقَ بهِ لسانُكَ.

وقدْ جعَلَ اللهُ الصِّدْقَ من أَعظَمِ منازِلِ الإيمانِ، فقالَ تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119].

وقالَ النَّبيُّ ﷺ: »عليكم بالصِّدْقِ؛ فإنَّ الصِّدْقَ يَهدي إلى البِرِّ، وإنَّ البِرَّ يَهدي إلى الجنَّةِ« متفقٌ عليهِ.

فإذا كانَ الصِّدقُ أَصلًا في الإيمانِ والمعاملَةِ؛ فهو في الحُبِّ أَولى وآكدُ؛ لأَنَّ القلوبَ لا تطمئِنُّ إلى زخارفِ الكلامِ، وإنَّما تطمئِنُّ إلى صفاءِ الحقيقَةِ.

•⁠ ⁠لماذا يُعَدُّ الصِّدْقُ رُوحَ الحُبِّ الصَّادِقِ؟

أَوَّلًا- لأَنَّهُ أَساسُ الثِّقَةِ وحارسُها:

الثِّقَةُ هي رأْسُ مالِ القلوبِ، والصِّدْقُ هو الذي يحفَظُ هذا الرَّصيدَ من التَّبدُّدِ والضَّياعِ؛ فالعِشرَةُ قدْ تقومُ على الإعجابِ أَو الميلِ أَو حسنِ الظنِّ، لكنَّها لا تثبتُ ولا تدومُ إلَّا بالصِّدْقِ.

فكم تحتاجُ الثِّقةُ إلى زمنٍ طويلٍ حتَّى تُبنى، وكم يكفيها من كذبةٍ واحدةٍ أو خديعةٍ خفيَّةٍ حتَّى تتصدَّع!

ولذلكَ كانَ المُحبُّ الصَّادِقُ واضحًا غيرَ مُخادِعٍ، أَمينًا غيرَ مُتلاعِبٍ، يُؤْمَنُ جانبُهُ في الحُضُورِ والغيابِ، وتطمئِنُّ إليهِ النَّفسُ في القُربِ والبُعدِ.

وليسَ المقصودُ أَن يكونَ الإنسانُ كتابًا مكشوفًا في كلِّ خُصُوصيَّاتِهِ؛ فلكلِّ نفسٍ سِترُها وحُرمتُها؛ وإنَّما المقصودُ أَن لا يكونَ في العلاقَةِ غشٌّ، ولا خيانَةٌ، ولا تزييفٌ، ولا وجهانِ متناقضانِ.

ثانيًا- لأَنَّهُ يَحمي الحُبَّ منَ التَّملُّقِ والمُداهنَةِ:

الحُبُّ الصَّادِقُ؛ لا يعني أَن تقولَ لمن تُحبُّ كلَّ ما يُرضيهِ، ولو كانَ في ذلكَ إفسادُهُ أًو إعانتُهُ على خطئِهِ؛ بلْ من تمامِ الحُبِّ أًن تصدقَهُ في النُّصْحِ، كما تصدقُهُ في الوُدِّ.

فالمحبُّ الصَّادِقُ؛ لا يُنافِقُ محبوبَهُ، ولا يُزيِّنُ لهُ الباطِلَ باسمِ الوفاءِ، ولا يسكتُ عن خطئِهِ إذا كانَ السُّكوتُ يزيدُهُ بُعدًا عن الحقِّ والخيرِ؛ لكنَّهُ ينصحُهُ برحمَةٍ، ويعاتبُهُ بأَدَبٍ، ويُصلحُهُ من غيرِ كسْرٍ ولا تشهيرٍ.

وهنا يظهرُ الفرقُ بينَ الصِّدْقِ والقسوَةِ؛ فليسَ كلُّ صريحٍ صادقًا في مقصدِهِ، ولا كلُّ ناصِحٍ رحيمًا في طريقتِهِ. الصِّدْقُ المحمودُ هو الذي يجمَعُ بينَ صفاءِ النيَّةِ، وعدْلِ الكلمَةِ، وحُسنِ الأُسلوبِ.

ثالثًا- لأَنَّهُ مِفتاحُ الطُّمأْنينَةِ وميزانُ الاستمرارِ:

العلاقاتُ القائمةَُ على الصِّدْقِ أَقدْرُ على الثَّباتِ أَمامَ عواصِفِ الشَّكِّ وسوءِ الظَّنِ؛ لأَنَّ الصِّدْقَ يُورثُ الوضوحَ، والوضوحُ يُريحُ القلبَ، ويقطعُ طريقَ الوساوسِ والأَوهامِ.

وأَمَّا العلاقَةُ التي تقومُ على الغموضِ المُريبِ، أَو التَّجمُّلِ الكاذبِ، أَو الوعودِ التي لا تُصدِّقُها الأَفعال؛ فإنَّها تبقَى قلقَةً مضطربَةً، مهما كثرتْ فيها العباراتُ العاطفيَّةِ.

قالَ النَّبيُّ ﷺ: »فإنَّ الصِّدْقَ طُمأْنينَةٌ، وإنَّ الكَذِبَ رِيبَةٌ«.

فالصِّدْقُ يُنزلُ السَّكينَةَ في القلبِ، والكذبُ يزرعُ الرِّيبَةَ، وما دخلَتِ الرِّيبَةُ في علاقَةٍ إلَّا أَضعفتْها، ولا تمكَّنتْ من قلبٍ إلَّا أَرهقتَهُ وأَتعبتْهِ.

خُلاصَةُ المَعْلَمِ:

الحُبُّ الصَّادِقُ ليسَ دعوى تُقال؛ بلْ حقيقَةٌ تُرى آثارُها في الوفاءِ، والرِّعايَةِ، وحفْظِ الغيبِ، وصدْقِ النُّصْحِ، ونقاءِ السَّريرَةِ.

فمَن صدَقَ في حُبِّهِ؛ بانَ صدقُهُ في اهتمامِهِ، ووفائِهِ، وأَمانتِهِ، وصبرِهِ، وحُسنِ عِشرتِهِ. ومَن بنى حُبَّهُ على الزَّيفِ والمُخادعَةِ؛ فقدْ بناهُ على شفا جُرفٍ هارٍ، لا يلبثُ أَن ينهارَ عندَ أَوَّلِ امتحان.

فاحفظْ - باركَ اللهُ فيكَ - قلبَ مَن تُحبُّ بالصِّدْقٍ، وصُنْ مودَّتَكَ من الكذبِ والتَّلوُّنِ؛ فإنَّ الصِّدْقَ ميثاقُ القلوبِ، وقِبلَةُ الأَرواحِ، وحارسُ الحُبِّ من الضَّياعِ.

اللَّهُمَّ! اجعلْ صدقَنا في حُبِّنا شاهدًا لنا لا علينا، وطهِّرْ قلوبَنا من الزَّيفِ والرِّيبة، واجعلْ ظاهرَنا خيرًا من باطنِنا، وباطنَنا خيرًا من ظاهرِنا، وارزقنا صدقَ المودَّةِ، وحُسنَ الوفاءِ، ونقاءَ السَّريرة. آمين.

كتبهُ: ‬عبد‭ ‬ا$ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬الأَثري‭.‬

Next
Next

»العقْلُ بينَ نورِ الوحي وحدودِ الإدراكِ«: