»العقْلُ بينَ نورِ الوحي وحدودِ الإدراكِ«:
أَخي المسلم الصَّادق!
اعلمْ - وفَّقني اللهُ وإيَّاكَ لنورِ الوحي، وسلامَةِ الفهمِ، وصِدْقِ التَّسليمِ للحقِّ - أَنَّ العقْلَ مِن أَجَلِّ نِعَمِ اللهِ على الإنسانِ؛ بهِ يفهَمُ، وينظُرُ، ويستدِلُّ، ويُميِّزُ بينَ المصالحِ والمفاسِدِ، ويعتبِرُ بآياتِ اللهِ في الأَنفسِ والآفاقِ.. ولذلكَ لم يأْتِ الوحيُ بإلغاءِ العقْلِ أَو تعطيلِ وظيفتِهِ؛ بلْ جاءَ بهدايتِهِ، وتقويمِهِ، وحمايتِهِ مِن سلطانِ الهوى والوهْمِ والجهْلِ.
غيرَ أَنَّ العقْلَ - معَ جلالَةِ قدرِهِ - مخلوقٌ محدودُ الإدراكِ؛ لا يستقِلُّ بمعرفَةِ كلِّ حقائِقِ الوجودِ، ولا بتفاصيلِ الغَيْبِ، ولا بأَحكامِ الحلالِ والحرامِ، ولا بما يُحبُّهُ اللهُ ويرضاهُ على وجْهِ التَّفصيلِ؛ فهذِهِ أَبوابٌ مرجعُها إلى الوحي، ووظيفَةُ العقْلِ فيها أَن يفهَمَ الدَّليلَ، ويتدبَّرَهُ، ويهتديَ بهِ، لا أَن يجعَلَ نفسَهُ مرجعًا فوقَهُ.
ولهذا فإنَّ العقْلَ الصَّريحَ لا يُعارضُ النَقْلَ الصَّحيحَ؛ لأَنَّ خالقَ العقْلِ هو مُنزِّلُ الوحي، والحقُّ لا يتناقضُ معَ الحقِّ. وإنَّما ينشأُ التَّعارضُ في الأَذهانِ إمَّا مِن نقلٍ لم يثبتْ، أَو فهمٍ لم يصِحَّ، أَو قياسٍ عقليٍّ قاصِرٍ، أَو هوًى يُلبَسُ لباسَ العقْلِ.
ويبدأُ الانحرافُ حينَ يجعلُ الإنسانُ ظنونَهُ، وأَذواقَهُ، ومقاييسَهُ البشريَّةَ المحدودَةَ حَكَمًا على كتابِ اللهِ وسُنَّةِ رسولِهِ ﷺ؛ فيقبَلُ مِنَ الوحي ما وافقَ تصوُّرَهُ، ويردُّ ما خالفَ مأْلوفَهُ، بدَلَ أَن يجعَلَ عقلَهُ أَداةً لفهمِ الوحي والاهتداءِ بهِ.
وتأَمَّلْ - أَيُّها اللَّبيبُ - قولَ اللهِ تعالى في ابنِ نوحٍ عليهِ السَّلامُ؛ حينَ دعاهُ أَبوهُ إلى النَّجاةِ معَ أَهلِ الإيمانِ؛ فتعلَّقَ بسبَبٍ مادِّيٍّ ظَنَّ أَنَّهُ يعصمُهُ مِن أمرِ اللهِ، فقالَ:
﴿سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾.
فجاءَهُ جوابُ النُّبوَّةِ واليقينِ: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾.
ثمَّ كانَتِ العاقبةُ: ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود: 43].
وليسَ المقصودُ مِن هذا المشهدِ ذمَّ الأَسبابِ؛ فالشَّريعَةُ أَمرتْ بالأَخذِ بها، وإنَّما العِبرَةُ في «فسادِ الاعتمادِ على السبَبِ معَ الإعراضِ عن أَمرِ اللهِ وخبرِهِ»؛ فالجبَلُ سبَبٌ قويٌّ في الظَّاهِرِ، ولكنَّهُ لا يعصِمُ إذا جاءَ أَمرُ اللهِ، والتَّدبيرُ البشريُّ مهما بلَغَ لا يُنجي إذا قامَ على مخالفَةِ الوحيِ، والقوَّةُ والذَّكاءُ لا يغنيانِ عن العبدِ إذا فقدَ الهدايةَ والتَّسليمَ.
فليسَ مِن تعظيمِ العقْلِ أَن نُحمِّلَهُ ما ليسَ مِن طاقتِهِ، ولا أَن نجعلَهُ مستقلًّا عمَّن خلقَهُ؛ بلْ تعظيمُهُ الحقُّ أَن يُوضَعَ في موضعِهِ: »يفهَمُ الوحيَ، ويتدبَّرُهُ، ويستنبطُ منهُ، وينظرُ في الكونِ والسُّننِ والأَسبابِ، وهو عالمٌ أَنَّ فوقَ إدراكِهِ علمَ العليمِ الحكيمِ«.
فمَن استضاءَ عقلُهُ بنورِ الوحي ازدادَ بصيرَةً ورُشدًا، ومَن استغنى بعقلِهِ عن هدايَةِ ربِّهِ عرَّضَ نفسَهُ للحيرَةِ والتَّناقضِ؛ لأَنَّ العقْلَ إذا انفصَلَ عن مرجعيَّةِ الوحي لم يتحرَّرْ بالضَّرورَةِ؛ بلْ قدْ يقَعُ أَسيرًا للهوى، وضغْطِ البيئَةِ، وثقافَةِ العصرِ، والشُّبهاتِ المتقلِّبَةِ.
ومِن هُنا؛ فالموقفُ الرَّاشدُ ليسَ في تعطيلِ العقْلِ باسمِ التَّسليمِ، ولا في تعطيلِ الوحي باسمِ العقلانيَّةِ؛ وإنَّما في الجمَعِ بينَ »وحيٍ صحيحٍ يهدي، وعقْلٍ سليمٍ يفهَمُ ويتدبَّرُ، وقلْبٍ خاضِعٍ للحقِّ إذا ظهرَ لَهُ«.
فالنَّجاةُ ليسَتْ في عقْلٍ مستكبرٍ، ولا في سبَبٍ يُعتمِدُ عليهِ استقلالًا، ولا في تدبيرٍ ينفصِلُ عن هدايَةِ اللهِ؛ وإنَّما في عقْلٍ مؤْمنٍ، وقلْبٍ مُسلِّمٍ، وعمَلٍ صالحٍ، وأَخْذٍ بالأَسبابِ، وتوكُّلٍ صادِقٍ على رَبِّ العالمينَ.
فاللَّهُمَّ! ارزقْنا عقولًا مستنيرَةً بنورِ وحيِكَ، وقلوبًا خاضعَةً للحقِّ، وبصائِرَ تزِنُ الأُمورَ بميزانِ الشَّرعِ، وثبِّتنا على صراطِكَ المستقيمِ حتَّى نلقاكَ وأَنْتَ راضٍ عنَّا.. آمين!
كتبهُ: عبد ا$ بن عبد الحميد الأَثري.

