»بينَ التَّوفيقِ والخِذْلانِ«:
أَخي المسلم الصّادِق!
اعلمْ - وفَّقني اللهُ وإيَّاكَ لِمَرْضاتِهِ، ولم يَكِلْنا إلى أَنْفُسِنا طرفَةَ عينٍ - أَنَّ العبدَ في سَيرِهِ إلى اللهِ تعالى مفتقِرٌ في كلِّ لحظَةٍ إلى هدايتِهِ وعَوْنِهِ وتسديدِهِ؛ فما اسْتَقامَ مستقيمٌ إلَّا بتوفيقِ اللهِ، ولا زلَّ مَن زلَّ إلَّا حينَ خُذِلَ ووُكِلَ إلى ضعْفِ نفسِهِ وغلبَةِ هواهُ.
• فـ »التَّوفيقُ«: أَن يَهديَ اللهُ العبدَ إلى الخيرِ، ويُعينَهُ عليهِ، ويشرحَ صدرَهُ للطَّاعَةِ، ويحبِّبَ إليهِ الإيمانَ، ويُبغِّضَ إليهِ الكُفْرَ والفُسوقَ والعِصيانَ، ويَصرِفَ عنهُ أَسبابَ الضَّلالِ، ويثبِّتَهُ على الحقِّ حتَّى يلقاهُ.
والموفَّقُ لا يعتمِدُ على ذكائِهِ، ولا يغترُّ بعلمِهِ، ولا يركنُ إلى قوَّتِهِ وتجربتِهِ؛ بلْ يعلمُ أَنَّهُ فقيرٌ إلى رَبِّهِ، وأَنَّهُ لا حولَ لهُ عن معصيَةٍ، ولا قوَّةَ لهُ على طاعَةٍ؛ إلَّا باللهِ تعالى.
قالَ شُعيبٌ عليهِ السَّلامُ: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
• وأَمَّا »الخِذلانُ«: فهو أَن يَحرِمَ اللهُ العبدَ عوْنَهُ وتسديدَهُ، ويكِلَهُ إلى نفسِهِ وهواهُ؛ فيغتَرَّ بعقلِهِ، ويثقَ بتدبيرِهِ، ويستغنيَ عن سؤَالِ رَبِّهِ؛ فتقودَهُ نفسُهُ الأَمَّارَةُ بالسُّوءِ، ويُزيِّنَ لهُ الشَّيطانُ، وتخدعَهُ الدُّنيا؛ حتَّى يثقُلَ عليهِ الحقُّ، ويحسُنَ في عينِهِ الباطِلُ، وربَّما ضلَّ وهو يظنُّ أَنَّهُ يُحْسِنُ صُنعًا.
ولهذا كانَ مِن دعاءِ النَّبيِّ ﷺ: »اللَّهُمَّ! رَحْمَتَكَ أَرْجُو؛ فَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ«.
فتأَمَّلْ - رعاكَ اللهُ - إذا وفَّقَ اللهُ عبدَهُ؛ باركَ في قليلِ عملِهِ، وسدَّدَ قولَهُ، وفتحَ لهُ أَبوابًا مِنَ الخيرِ لم تكنْ في حُسبانِهِ، وصرَفَ عنهُ مِنَ الشَّرِّ ما لم يَشعُرْ بهِ.
وإذا خُذِلَ العبدُ ووُكِلَ إلى نفسِهِ، ضاعَ عليهِ كثيرُ العمَلِ، وخانَتْهُ الأَسبابُ، وتاهَ في الطَّريقِ معَ ظنِّهُ أَنَّهُ على هُدًى؛ لأَنَّ العبرَةَ ليسَتْ بكثرَةِ الوسائِلِ، وإنَّما ببركَةِ التَّوفيقِ وصِدْقِ الافتقارِ إلى اللهِ.
فلا تَغترَّ بطاعَةٍ أُلهِمتَها، ولا بعلْمٍ حَصَّلتَهُ، ولا بمكانَةٍ بلغتَها، ولا بتجربَةٍ راكمتَها؛ فإنَّ العبدَ ما دامَ حيًّا فهو مفتقِرٌ إلى هدايَةِ اللهِ وثباتِهِ، والقلبُ بيدِ اللهِ يُصرِّفُهُ كيفَ يشاءُ.
فاسأَلِ اللهَ دائمًا التَّوفيقَ والسَّدادَ والثَّباتَ، وأَكثِرْ مِنَ الافتقارِ إليهِ، ومحاسبَةِ النَّفسِ، وتجديدِ التَّوبةِ؛ فمَن تولَّاهُ اللهُ هَداهُ وكفاهُ وحفظَهُ، ومَن وكلَهُ إلى نفسِهِ خابَ وضاعَ.
فاللَّهُمَّ! تولَّنا فيمَن تولَّيْتَ، ولا تَكِلْنا إلى أَنفسِنا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وارزقْنا توفيقًا يهدينا، وتسديدًا يحفظُنا، وعَوْنًا يُقيمُنا على طاعتِكَ، وثباتًا نلقاكَ بهِ وأَنْتَ راضٍ عنَّا.
كتبهُ: عبد ا$ بن عبد الحميد الأَثري.

