»المودَّةُ والرَّحمَةُ: ميثاقُ الحياةِ الزَّوجيَّةِ«:

أَخي المسلم اللَّبيب!

اعلمْ - وفَّقني اللهُ وإيَّاكَ لِحُسْنِ العِشْرَةِ، وصِدْقِ الوفاءِ، وأَداءِ الحقوقِ - أَنَّ الحياةَ الزَّوجيَّةَ في ميزانِ الشَّريعَةِ ليسَتْ مجرَّدَ علاقَةٍ عاطفيَّةٍ عابرَةٍ، ولا شراكَةً دنيويَّةً تقومُ على تبادُلِ المنافِعِ فحسبُ؛ بلْ هي؛ ميثاقٌ غليظٌ، وسَكَنٌ للنُّفوسِ، ومودَّةٌ ورحمَةٌ، وتعاونٌ على طاعَةِ اللهِ، وبناءُ بيتٍ تسودُهُ السَّكينَةُ والأَمانُ والإيمانُ.

قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الرُّوم: ٢١].

فالمودَّةُ تُجمِّلُ الحياةَ في أَوقاتِ القُربِ والرِّضا، والرَّحمَةُ تحفظُها في ساعاتِ الضَّعْفِ والمرضِ والتَّعَبِ والخلافِ؛ فإذا فتَرَتِ العاطفَةُ بقيَ الوفاءُ، وإذا هاجَ الغضَبُ حفِظَ الإيمانُ حدودَ اللهِ، وإذا عرَضَ النُّقْصُ سَتَرَتْهُ الرَّحمَةُ وحُسْنُ العِشرَةِ.

وليسَ كلُّ خلافٍ يقَعُ بينَ الزَّوجينِ دليلًا على زوالِ المحبَّةِ أَو فسادِ الحياةِ؛ فقدْ ينْشأُ الخلافُ مِن اخْتِلافِ الطِّباعِ، أَو ضعْفِ التَّفاهمِ، أَو ضُغوطِ المعيشَةِ، أَو سوءٍ عارِضٍ في التَّعبيرِ والتَّقديرِ.

وإنَّما الخطَرُ أَن يُترَكَ الخلافُ حتَّى تُغذِّيَهُ المعصيَةُ، والكِبْرُ، وسوءُ الظَّنِّ، وقسوَةُ اللِّسانِ، واسْتِحضارُ الزَّلَّاتِ القديمَةِ؛ فيتحوَّلَ مِن مشكلَةٍ قابلَةٍ للإصلاحِ إلى جفاءٍ يكسِرُ القلوبَ ويُهدِّدُ اسْتِقرارَ البيتِ.

وقدْ قالَ النَّبيُّ ﷺ: »مَا تَوَادَّ اثْنَانِ فِي اللهِ جَلَّ وَعَزَّ، أَوْ فِي الإِسْلَامِ؛ فَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا إِلَّا بِذَنْبٍ يُحْدِثُهُ أَحَدُهُمَا« [أَخرجَهُ البخاري في الأَدَبِ المفرَدِ].

وفي الحديثِ تنبيهٌ إلى أَنَّ للذُّنوبِ آثارًا تتجاوزُ قلبَ صاحبِها؛ فقدْ تنزعُ بركَةَ المودَّةِ، وتُورِثُ الوحشَةَ بعدَ الأُنسِ، والجفاءَ بعدَ القُربِ. وليسَ معناهُ أَنَّ كلَّ خلافٍ بينَ الزَّوجينِ ناشئٌ عن ذنْبٍ معيَّنٍ، ولكنَّهُ يدعوهما إلى محاسبَةِ النَّفسِ، وتجديدِ التَّوبَةِ، وإصلاحِ ما بينَهما وبينَ اللهِ؛ فإنَّ صلاحَ السَّرائرِ مِن أَعظمِ أَسبابِ صلاحِ العلاقاتِ.

فإذا رأَى الزَّوجانِ بينَهما جفوَةً بعدَ أُنسٍ، أَو بُعدًا بعدَ قُربٍ، أَو قسوَةً بعدَ رحمَةٍ؛ فلا يبدَأْ كلٌّ منهما بتعدادِ عيوبِ صاحبِهِ، بلْ ليبدَأْ بمراجعَةِ نفسِهِ: هلْ ظَلَمَ؟ هلْ قصَّرَ؟ هلْ آذَى بلسانِهِ؟ هلْ بَخِلَ بالاعتذارِ؟ هلْ غلبَهُ الكِبْرُ وحُبُّ الانْتِصارِ للنَّفسِ؟

فكم مِن بيتٍ عادَ إليهِ دِفؤُهُ باعتذارٍ صادِقٍ، واسْتِغفارٍ خفيٍّ، وتنازُلٍ عن حظِّ النَّفسِ، وكلمَةٍ رفيقَةٍ، وحُسْنِ ظنٍّ، وتغافُلٍ كريمٍ عن زلَّةٍ عابرَةٍ.

فالزَّوجُ الصَّالحُ ليسَ مَن لا يُخطئُ، والزَّوجَةُ الصَّالحَةُ ليسَتْ مَن لا يقَعُ منها تقصيرٌ؛ وإنَّما الصَّلاحُ أَن يرجعا إلى الحقِّ إذا أَخطآ، وإلى اللهِ إذا اختلفا، وأَن يحفظا حُرمَةَ العِشرَةِ عندَ الغضَبِ، ويجعَلا المودَّةَ والرَّحمَةَ فوقَ حُظُوظِ النُّفوسِ ولذَّةِ الانْتِصارِ في الخُصُومَةِ.

فأَحسِنوا العِشرَةَ، وأَدُّوا الحقوقَ، واحْفظوا أَسرارَ البيوتِ، ولا تجعلوا الذُّنوبَ وقسوَةَ الأَلسنَةِ تُطفئُ نورَ المودَّةِ؛ فإنَّ البيتَ إذا عُمِرَ بطاعَةِ اللهِ نزلَتْ عليهِ السَّكينَةُ، وإذا عُمِرَ بالرَّحمَةِ والعَدْلِ هانَتْ فيهِ مشاقُّ الحياةِ، وإذا سادَهُ التَّغافِلُ الجميلُ طالَ فيهِ الوُدُّ وحَسُنَ الوفاءُ.

فاللَّهُمَّ! أَصلِحْ بيوتَ المسلمينَ، وأَلِّفْ بينَ قلوبِ الأَزواجِ والزَّوجاتِ، وارزقْهم حُسْنَ العِشرَةِ، وصِدْقَ الوفاءِ، وكمالَ الرَّحمَةِ، واجعَلْ بيوتَنا عامرَةً بالإيمانِ والسَّكينَةِ والمودَّةِ والتَّقوى.

كتبهُ: ‬عبد‭ ‬ا$ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬الأَثري‭.‬

Previous
Previous

»بينَ التَّوفيقِ والخِذْلانِ«:

Next
Next

»حُرِّيَّةُ التَّفكيرِ بينَ نورِ الوحي وظُلُماتِ الهوى«: