»حُرِّيَّةُ التَّفكيرِ بينَ نورِ الوحي وظُلُماتِ الهوى«:
أَخي المسلم اللَّبيب!
اعلمْ - وفَّقني اللهُ وإيَّاكَ لنورِ الوحي، وسلامَةِ الفهمِ، وصِدْقِ التَّسليمِ للحقِّ - أَنَّ الإسلامَ لا يُحارِبُ العقْلَ، ولا يُصادِرُ التَّفكيرَ، ولا يدْعو الإنسانَ إلى تعطيلِ نظرِهِ وبصيرتِهِ؛ بلْ جاءَ بتكريمِ العقلِ، وتزكيتِهِ، وتوجيهِهِ، وتحريرِهِ مِن سلطانِ الهوى، وعبوديَّةِ الشَّهوَةِ، وضغْطِ التَّقليدِ الأَعمى، وتلبيسِ الشَّيطانِ.
وقدْ دعا »القرآنُ الكريمُ« إلى التَّفكُّرِ، والتَّدبُّرِ، والتَّعقُّلِ، والنَّظرِ في آياتِ اللهِ الكونيَّةِ والشَّرعيَّةِ؛ لأَنَّ العقْلَ السَّليمَ لا يُناقضُ الوحيَ الصَّحيحَ، بلْ يشهَدُ لهُ ويهتدي بنورِهِ.
ولكنَّ الخطرَ كلَّ الخطَرِ في الدَّعوَةِ إلى »حُرِّيَّةٍ مُطلقَةٍ في التَّفكيرِ« لا يضبِطُها وحيٌ، ولا يحكمُها علْمٌ، ولا ترعاها أُصُولُ النَّظرِ الصَّحيحِ؛ فإنَّ العقْلَ البَشريَّ محدودٌ، يعرضُ لهُ الجهْلُ والوهمُ والتَّناقضُ، ويتأَثَّرُ بالبيئَةِ والشَّهوَةِ والمصلحَةِ؛ فإذا اسْتَغنى عن هدايَةِ الوحي، وجعَلَ نفسَهُ حَكَمًا مُطلقًا على نُصُوصِ الشَّرعِ؛ انْتَقلَ مِن مقامِ التَّفكُّرِ إلى مقامِ التَّحكُّمِ، ومِن طلَبِ الحقِّ إلى إخْضاعِ الحقِّ للهوى.
فليسَ المذمومُ أَن يُفكِّرَ الإنسانُ، أَو يسأَلَ، أَو يبحثَ، َأو يطلبَ الدَّليلَ، أَو يُناقشَ ما أَشكلَ عليهِ بعلْمٍ وإنصافٍ؛ فهذا مِن طريقِ الفهْمِ واليقينِ.
وإنَّما المذمومُ أَن يُفكِّرَ بعقْلٍ مُستكبرٍ، وقلبٍ مُعرضٍ، وهوًى سابقٍ على طلبِ الحقِّ، ثمَّ يردَّ نُصُوصَ الوحي لأَنَّها لم توافِقْ ذوقَهُ، أَو ثقافَةَ عصرِهِ، أَو مقاييسَهُ البشريَّةَ القاصرَةَ.
وقدْ ذمَّ اللهُ تعالى مَن استعمَلَ نظرَهُ وتفكيرَهُ في مُكابرَةِ الحقِّ، لا في طلَبِ الهدايَةِ، فقالَ سبحانَهُ:
﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدَّثِّر: 18-26].
فتأَمَّلْ - رعاكَ اللهُ - لم يُذمَّ لمجرَّدِ أَنَّهُ فكَّرَ ونظرَ، وإنَّما ذُمَّ لأَنَّهُ جعَلَ تفكيرَهُ أَداةً للمُكابرَةِ، وتقديرَهُ تابعًا للهوى، ونظرَهُ مقدِّمَةً للعنادِ؛ حتَّى انتهى بهِ الأَمرُ إلى الإدبارِ والاستكبارِ، فاستعمَلَ نعمَةَ العقْلِ في ردِّ الحقِّ بدَلَ أَن يستعملَها في الاهتداءِ إليهِ.
فالعقْلُ نعمَةٌ عظيمَةٌ إذا اهتدى بنورِ الوحي، واستعملَهُ صاحبُهُ في الفهْمِ والاستدلالِ والتَّمييزِ بينَ الحقِّ والباطلِ؛ وقدْ يصيرُ موطنَ فتنَةٍ إذا اغترَّ الإنسانُ بهِ، واستغنى عن هدايَةِ رَبِّهِ، ورأَى أَنَّ مقاييسَهُ القاصرَةَ هي الميزانُ النِّهائيُّ لقبولِ الوحي أَو رَدِّهِ.
فالعاقلُ حقًّا لا يُعطِّلُ عقلَهُ باسمِ التَّسليمِ، ولا يُعطِّلُ الوحيَ باسمِ حُرِّيَّةِ التَّفكيرِ؛ بلْ يجمعُ بينَ «عقْلٍ سليمٍ يتدبَّرُ، ووحيٍ صحيحٍ يهدي، وقلبٍ مُخبتٍ يطلبُ الحقَّ وينقادُ لهُ».
ومِن هُنا؛ فإنَّ حُرِّيَّةَ التَّفكيرِ في الإسلامِ ليسَتْ حُرِّيَّةَ التَّمرُّدِ على الحقِّ، ولا حُرِّيَّةَ اتِّباعِ الهوى، ولا حُرِّيَّةَ إخضاعِ الوحي لمقاييسِ البَشَرِ المتقلِّبَةِ؛ وإنَّما هي تحريرٌ للعقلِ مِن الأَوهامِ والأَهواءِ، ودعوَةٌ إلى النَّظرِ والتَّدبُّرِ في ضوءِ العلمِ والفطرَةِ وهُدى الوحيِ.
فلا تجعلْ - رعاكَ اللهُ - شعارَ «حُرِّيَّةِ التَّفكيرِ» سُلَّمًا إلى التَّحلُّلِ مِن مرجعيَّةِ الوحي؛ فإنَّ الحُرِّيَّةَ التي تقطَعُ العقْلَ عن هُدى خالقِهِ ليسَتْ تحريرًا لهُ، بلْ نقلٌ لهُ مِن عبوديَّةِ اللهِ إلى عبوديَّةِ الهوى، والثَّقافَةِ الغالبَةِ، وضغْطِ الشَّهواتِ والأَفكارِ.
فالعقلُ يزدادُ حُرِّيَّةً كلَّما تحرَّرَ مِن الهوى، ويزدادُ نورًا كلَّما اقتربَ مِن الوحي، ويزدادُ رُشدًا كلَّما تواضعَ للحقِّ؛ وأَمَّا العقْلُ الذي يستكبرُ على هُدى اللهِ؛ فقدْ يظنُّ نفسَهُ حُرًّا، وهو أَسيرُ هواهُ.
فاللَّهُمَّ! ارزقْنا عقولًا مُستنير!ةً بنورِ وحيِكَ، وقلوبًا مُخبتَةً لحقِّكَ، ونفوسًا مُتجرِّدَةً مِنَ الهوى، وبصائرَ تعرفُ الحقَّ وتتَّبعُهُ، وثبِّتنا على صراطِكَ المستقيمِ حتَّى نلقاكَ وأَنْتَ راضٍ عنَّا.. آمين!
كتبهُ: عبد ا$ بن عبد الحميد الأَثري.

