»فِقْهُ كِتْمانِ النِّعَمِ عندَ خوفِ الحسَدِ والكيْدِ«:
أَخي المسلم الصَّادق!
اعلمْ - وفَّقني اللهُ وإيَّاكَ للحِكمةِ، وحُسْنِ التَّدبيرِ، وشُكرِ النِّعَمِ - أَنَّ مِن كمالِ العقلِ، وجميلِ الأَدبِ معَ نِعَمِ اللهِ تعالى: أَلَّا يكشفَ العبدُ كلَّ ما في نفسِهِ، ولا يُحدِّثَ كلَّ أَحدٍ بما أَكرمَهُ اللهُ بهِ، ولا يعرِضَ مشروعاتِهِ وآمالَهُ وأَسرارَ نجاحِهِ أَمامَ مَن يُخشَى حسدُهُ، أَو سوءُ قصدِهِ، أَو كيدُهُ.
فليسَ كلُّ سامعٍ ناصحًا، ولا كلُّ قريبٍ مأْمونًا، ولا كلُّ مَن عرفَ نعمتَكَ دعا لكَ بالبركةِ؛ والنُّفوسُ تتفاوتُ في صفائِها وإيمانِها، وقد يحمِلُ بعضَها الحسدُ على تمنِّي زوالِ النِّعمَةِ، أَو السَّعي في إفسادِها.
وقدْ علَّمَنا القرآنُ أَنَّ الكِتمانَ في موضعِهِ حِكمةٌ، وأَنَّ صيانَةَ بعضِ النِّعَمِ عن أَعينِ مَن يُخشَى شرُّهُ مِن أَسبابِ حفظِها؛ فقالَ يعقوبُ لابنِهِ يوسفَ عليهما السَّلامُ: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يوسف: ٥].
فتأَمَّلْ - رعاكَ اللهُ - كيفَ لم يأْمرْهُ أَبوهُ بكتمانِ الرُّؤيا جُبنًا، ولا بُخلًا بالخيرِ، ولا إساءَةَ ظنٍّ بالنَّاسِ كلِّهم؛ وإنَّما كانَ ذلكَ فقهًا بالواقعِ، ومعرفَةً بطبائعِ النُّفوسِ، وحفظًا للنِّعمَةِ مِن كيدِ مَن ظهرتْ أَسبابُ الغَيرَةِ والحسَدِ في حالِهِ.
غيرَ أَنَّ هذا الأَصلَ لا يعني كتمانَ كلِّ نعمَةٍ، ولا تركَ التَّحدُّثِ بفضلِ اللهِ مطلَقًا؛ فقدْ قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضُّحى: ١١]. والجمعُ بينَ الآيتينِ:
• أَنَّ التَّحدُّثَ بالنِّعمَةِ يكونُ شُكرًا للهِ، وإظهارًا لفضلِهِ ومِنَّتِهِ، وتعريفًا بإحسانِهِ، وتذكيرًا بكثرَةِ نِعَمِهِ على العبدِ؛ إذا أُمِنَ الرِّياءُ والمباهاةُ، ولم يُخشَ مِن إظهارِها حسَدٌ، أَو ضرَرٌ، أَو مفسدَةٌ راجحَةٌ؛ فالمقصودُ مِنَ التَّحدُّثِ بالنِّعمَةِ أَن يُنسَبَ الفضلُ إلى اللهِ، لا أَن يُزكِّيَ العبدُ نفسَه بها، أَو يستعليَ على الخَلْقِ، أَو يُثيرَ بها حسرَةَ محرومٍ أَو حَسَدَ حاسدٍ.
• أَمَّا إذا خُشِيَ على النِّعمَةِ مِن عينٍ حاسدَةٍ، أَو نفسٍ مريضَةٍ، أَو كيدٍ متربِّصٍ؛ فالكتمانُ حينئِذٍ أَحزمُ وأَحكمُ.
فالمؤمنُ الحكيمُ يعرفُ متى يتحدَّثُ بالنِّعمَةِ شُكرًا، ومتى يستُرُها حِكمةً، ومتى يكتمُها رحمَةً بمشاعرِ الآخرينَ؛ ولكلِّ مقامٍ مقالٌ.
فإذا فتحَ اللهُ لكَ بابَ خيرٍ، أَو رزقَكَ نعمَةً، أَو يسَّرَ لكَ مشروعًا، أَو أَلقى في قلبِكَ سرورًا؛ فابدَأْ بشُكرِ اللهِ، واستعِنْ بهِ على تمامِ النِّعمَةِ، ثم ضَعْ أَمرَكَ في موضعِ الأَمانِ، ولا تجعَلْ خُصُوصيَّاتِ حياتِكَ حديثًا لكلِّ مجلسٍ، ولا مشروعاتِكَ عُرضَةً لكلِّ عينٍ ولسانٍ.
وليسَ مِنَ الحِكمةِ أَن تُحدِّثَ بالنِّعمَةِ قبلَ تمامِها، أَو تُعلِنَ عنِ المشروعِ قبلَ نُضجِهِ، أَو تكشِفَ أَسرارَكَ لِمَن لم تُجرِّبْ وفاءَهُ؛ فكم مِن أَمرٍ أَفسدَهُ اسْتِعجالُ إعلانِهِ، وكم مِن نعمَةٍ نُزِعَتْ بركتُها بسبَبِ المباهاةِ بها، أَو وضعِها في غيرِ موضعِها.
والعاقلُ لا يكذبُ، ولكنَّهُ لا يقولُ كلَّ ما يعلَمُ؛ ولا يسيءُ الظنَّ بالنَّاسِ، ولكنَّهُ لا يمنحُ ثقتَهُ لكلِّ أَحدٍ؛ ولا يعيشُ خائفًا مِنَ الحسدِ، ولكنَّهُ يجمَعُ بينَ حُسْنِ التوكُّلِ على اللهِ والأَخذِ بأَسبابِ الحفظِ المشروعَةِ.
فصُنْ نِعَمَكَ بالشُّكرِ، وأَعمالَكَ بالإخلاصِ، وأَسرارَكَ بالحِكمةِ، واستَعِذْ باللهِ مِن شرِّ الحاسدينَ والكائدينَ، ولا تجعلِ الخوفَ منهم يُفسدُ عليكَ حُسْنَ الظنِّ بربِّكَ؛ فإنَّ ما شاءَ اللهُ كانَ، وما لم يشأْ لم يكنْ.
فاللَّهُمَّ! احفظْ علينا نِعَمَكَ، وأَلهمْنا شُكرَها، وباركْ لنا فيما رزقتَنا، وارزقْنا حِكمةً نصونُ بها الخيرَ، واكفِنا شرَّ حاسدٍ إذا حسدَ، وشرَّ كلِّ ذي كيدٍ ومكرٍ، واجعلْنا في حِفظِكَ وأَمانِكَ ورعايتِكَ.. آمين!
كتبهُ: عبد ا$ بن عبد الحميد الأَثري.

