»صَمْتُ المظْلُومِ ليسَ عَجزًا«:
أَخي المسلم الصَّادق!
اعلمْ - وفَّقني اللهُ وإيَّاكَ للعدلِ وخشيةِ اللهِ - أَنَّ صمتَ المظلومِ لا يعني ضعفَهُ، ولا عجزَهُ، ولا ضياعَ حقِّهُ؛ فقدْ يسكتُ تعفُّفًا، أَو حِلمًا، أَو صبرًا، أَو إيثارًا للعافيَةِ، أَو لأَنَّهُ رفعَ شكواهُ إلى مَن لا يخفى عليهِ شيءٌ في الأَرضِ ولا في السَّماءِ.
فإيَّاكَ! أَن تغترَّ بسكوتِ مَن ظلمتَهُ، أَو تظنَّ أَنَّ عدَمَ قدرتِهِ على ردِّ الأَذى دليلٌ على سقوطِ حقِّهِ؛ فإنَّ وراءَ المظلومِ ربًّا يسمَعُ شكواهُ، ويرى ظلمَهُ، ويعلْمُ ما انكسَرَ في قلبِهِ، ولا يضيعُ عندَهُ حقٌّ.
قالَ اللهُ تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ [النِّساء: 148].
وقالَ النَّبيُّ ﷺ: »واتَّقِ دعْوَةَ المظْلُومِ؛ فإنَّهُ ليسَ بَينها وبينَ اللهِ حجابٌ«.
فتأَمَّلْ - رعاكَ اللهُ -: قدْ لا يملكُ المظلومُ سلطانًا، ولا مالًا، ولا جاهًا، ولا أَعوانًا؛ ولكنَّهُ يملكُ أَن يرفعَ كفَّيهُ إلى ربٍّ لا يَظلِمُ مثقالَ ذرَّةٍ، وأَن يشكوَ إليهِ ما عجزَ عن دفعِهِ بيدِهِ ولسانِهِ.
فلا تستضعفْ مَن لا يستطيعُ الانْتصارَ لنفسِهِ، ولا تستقوِ على مَن قلَّ ناصرُهُ، ولا تجعَلْ هدوءَ المظلومِ أَمانًا لكَ من عاقبَةِ الظُّلمِ؛ فإنَّ بعضَ القلوبِ تصمتُ عن الخلقِ، ولكنَّها لا تصمتُ بينَ يدي اللهِ.
والظُّلمُ لا يصيرُ حقًّا بطولِ الزَّمنِ، ولا يسقطُ بسكوتِ صاحبِهِ، ولا يَخفى على اللهِ وإن خفيَ على النَّاسِ؛ وقدْ يُمهِلُ اللهُ الظالمَ لحكمةٍ، ولكنَّ الإمهالَ ليسَ إهمالًا، وتأْخيرُ المؤاخذَةِ ليسَ دليلًا على الرِّضا.
فاحذرْ أَن تبيتَ وفي ذمَّتِكَ مظلمَةٌ لعبدٍ من عبادِ اللهِ، وسارِعْ إلى ردِّ الحقوقِ، وطلبِ العفوِ، وإصلاحِ ما أَفسدتَ؛ فإنَّ السَّلامَةَ يومَ القيامَةِ لا تكونُ بكثرَةِ الأَعذارِ، وإنَّما بأَداءِ الحقوقِ والتَّوبَةِ الصَّادقَةِ.
فاللَّهُمَّ! طهِّرْ قلوبَنا وأَيدينا وأَلسنتَنا من الظُّلمِ، واجعلْنا من أَهلِ العدْلِ والرَّحمَةِ، ولا تجعلْنا ظالمينَ ولا أَعوانًا للظالمينَ، وارفعِ الظُّلمَ عن كلِّ مظلومٍ، وانصرْهُ نصرًا من عندِكَ، وأَلهمْنا ردَّ المظالمِ قبلَ يومٍ لا ينفعُ فيه مالٌ ولا جاهٌ.. آمين!
كتبهُ: عبد ا$ بن عبد الحميد الأَثري.

