»قِصَرُ الحياةِ ومَعالي الاهتماماتِ«:

أَخي المسلم الصَّادق!

اعلمْ - وفَّقني اللهُ وإيَّاكَ لمعالي الأُمورِ، وحُسنِ استثمارِ الأَعمارِ - أَنَّ عُمرَ الإنسانِ في هذِهِ الدُّنيا قصيرٌ مهما امتدَّ، وأَنَّ الوقتَ رأْسُ مالٍ لا يُستردُّ إذا مضَى؛ فليسَ مِنَ العقْلِ أَن يزيدَ المرءُ عُمرَهُ قِصَرًا بإهدارِهِ في السَّفاسِفِ، وفُضولِ الجدَلِ، وتتبُّعِ ما لا ينفعُهُ في دينِهِ ولا دُنياهُ.

والعاقِلُ لا يزنُ الأَشياءَ بمقدارِ ما تُثيرُهُ مِن ضجيجٍ، وإنَّما بمقدارِ ما تحقِّقُهُ مِن نفْعٍ، وتُقرِّبُهُ مِن غايَةٍ شريفَةٍ؛ فكم مِن أَمرٍ يملأُ المجالسَ والمنصَّاتِ وهو قليلُ الثَّمرَةِ، وكم مِن عمَلٍ هادئٍ لا يلتفِتُ إليهِ النَّاسُ، وهو عندَ اللهِ عظيمٌ، وفي حياةِ الأُمَّةِ مباركُ الأَثرِ.

ومَن شغَلَ قلبَهُ بكلِّ خصومَةٍ عابرَةٍ، وخبرٍ تافَهٍ، وجدالٍ لا ثمرَةَ لهُ؛ تفرَّقَتْ همَّتُهُ، واستُنزفَ وقتُهُ، وضاعَتْ عليهِ معالي الأَعمالِ بقدْرِ اشتغالِهِ بسَفاسفِ الأُمورِ.

قالَ النَّبيُّ ﷺ: »إنَّ اللهَ كريمٌ يحبُّ الكرمَ، ويحبُّ معاليَ الأَخلاقِ، ويكرهُ سَفْسافَها«.

وليسَ المقصودُ بمعالي الأُمورِ احتقارَ الأَعمالِ الصَّغيرَةِ؛ فرُبَّ عمَلٍ يسيرٍ عظُمَ عندَ اللهِ بالإخلاصِ والنَّفعِ، وإنَّما المقصودُ أَن يسموَ قصْدُ المؤمنِ، وأَن يُقدِّمَ ما ينفَعُ على ما لا ينفَعُ، وما يبقى أَثرُهُ على ما ينقضي ضجيجُهُ.

فارفعْ همَّتَكَ إلى ما يُرضي اللهَ، وينفَعُ عبادَهُ، ويُصلِحُ نفسَكَ وأَهلَكَ وأُمَّتَكَ، واحفظْ قلبَكَ مِن التَّشتُّتِ، ووقتَكَ مِنَ الاستنزافِ؛ فإنَّ المؤمنَ اللَّبيبَ لا تُقاسُ حياتُهُ بكثرَةِ ما خاضَ فيهِ، بلْ «ببركةِ ما أَنجزَ، وشرَفِ ما قصدَ، وعِظَمِ ما حمَلَ مِن همٍّ نافعٍ».

فالحياةُ أَقصرُ مِن أَن تُستهلَكَ في كلِّ معركَةٍ، والعمرُ أَنفسُ مِن أَن يُبدَّدَ في كلِّ جدلٍ؛ فاخترْ لنفسِكَ مِنَ الاهتماماتِ ما يليقُ بعبدٍ يعلمُ أَنَّ أَيَّامَهُ معدودةٌ، وأَنَّهُ موقوفٌ بينَ يدي اللهِ على ما قدَّمَ.

فاللَّهُمَّ! اصرفْ قلوبَنا عنِ السَّفاسفِ، وارزقْنا عُلُوَّ الهِمَّةِ، ونُبلَ المقص!دِ، وبَرَكةَ الوقتِ، واجعلْ أَعمارَنا عامرَةً بطاعتِكَ، ونفعِ عبادِكَ، وخدمةِ دينِكَ.. آمين!

كتبهُ: ‬عبد‭ ‬ا$ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬الأَثري‭.‬

Previous
Previous

»صَمْتُ المظْلُومِ ليسَ عَجزًا«:

Next
Next

»لا تدَعِ الفِتنَ تُغرِقُ قلبَكَ«: