»لا تدَعِ الفِتنَ تُغرِقُ قلبَكَ«:
أَخي المسلم اللَّبيب!
اعلمْ - وفَّقني اللهُ وإيَّاكَ للثَّباتِ، وسلامَةِ القلبِ، وحُسنِ العاقبَةِ - أَنَّ السَّفينَةَ لا تَغرَقُ بمجرَّدِ الماءِ الذي يُحيطُ بها، وإنَّما يكونُ هلاكُها حينَ يتسرَّبُ الماءُ إلى داخلِها..
وكذلكَ قلبُ المؤمنِ: قدْ تُحيطُ بهِ الفِتَنُ، وتضطرِبُ حولَهُ الأَحوالُ، وتشتَدُّ عليهِ الابتلاءاتُ، ولكنَّ الخطَرَ الأَعظمَ حينَ تتسرَّبُ آثارُها إلى باطنِهِ؛ فتُفسِدُ يقينَهُ، وتُضعِفُ ثباتَهُ، وتُورِثُهُ الشَّكَّ، أَو اليأْسَ، أَو الانحرافَ عن ميزانِ الوحي.
فليسَ المطلوبُ أن تعيشَ بعيدًا عن واقعِ الفِتَنِ؛ فهذا قد لا تملكُه، وإنَّما المطلوبُ أن تحفظَ قلبَكَ مِن أن تتحوَّلَ فِتَنُ الخارجِ إلى فِتَنٍ في الداخلِ.
فاثبتْ على الحقِّ، ولا تسمَحْ لما يُحيطُ بكَ مِن بلاءٍ، ونفاقٍ، ودجَلٍ، وتضليلٍ، وخِذلانٍ، وفشَلٍ، واضْطِرابٍ؛ أَن يتسلَّلَ إلى قلبِكَ، فيُطفئَ نورَ الإيمانِ، أَو يُفسِدَ صفاءَ الفطرَةِ، أَو يزرعَ في نفسِكَ القنوطَ وسوءَ الظَّنِّ باللهِ، قال تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾.
فالاستقامَةُ الحقَّةُ لا تظهَرُ في زمنِ السَّعَةِ وحدَهُ، وإنَّما يظهَرُ معدنُها حينَ تضطربُ الموازينُ، وتختلِطُ الأَصواتُ، وتكثرُ الشُّبهاتُ، ويحتاجُ المؤمنُ إلى قلبٍ مربوطٍ بالوحي، ولسانٍ رَطْبٍ بالذِّكرِ، وعقْلٍ يزِنُ الأَحداثَ بميزانِ الشَّرعِ لا بانفعالاتِ اللَّحظَةِ.
واعلمْ أَنَّ النَّجاةَ ليسَتْ في خُلوِّ الطَّريقِ مِنَ الأَمواجِ، وإنَّما في «سلامَةِ السَّفينَةِ مِن داخلِها، وقوَّةِ قيادتِها، وثباتِ وجهتِها»؛ وكذلكَ المؤمنُ لا يملكُ أَن يمنعَ اضْطِرابَ الدُّنيا مِن حولِهِ، ولكنَّهُ يستطيعُ - بعونِ اللهِ - أَن يحرسَ قلبَهُ بالإيمانِ، وعقلَهُ بالبصيرَةِ، ونفسَهُ بالصَّبرِ، وطريقَهُ بالاستقامَةِ.
فلا تجعَلْ كثرَةَ الباطِلِ تُشكِّكَكَ في الحقِّ، ولا خِذلانَ النَّاسِ يُضعِفُ ثقتَكَ باللهِ، ولا فسادَ الواقعِ يُفسِدُ قلبَكَ، ولا ضجيجَ الفِتَنِ يطغَى على سكينَةِ اليقينِ.
قدْ تموجُ الدُّنيا حولَ المؤمنِ، ولكنَّها لا تملكُ قلبَهُ ما دامَ موصولًا باللهِ.. والخطرُ ليسَ دائمًا في العاصفَةِ التي خارجَكَ، وإنَّما في الثَّغرَةِ التي تسمَحُ لها أَن تدخُلَ مِنها إلى قلبِكَ.
فاللَّهُمَّ! احفظْ قلوبَنا مِنَ الفِتَنِ ما ظهرَ منها وما بطنَ، وثبِّتنا على الحقِّ، واربطْ على قلوبِنا، ولا تجعلْ للشُّبهةِ أَو الهوى أَو اليأْسِ سبيلًا إليها، واجعلْنا ممَّن يَعبُرونَ فِتَنَ الدُّنيا بقلوبٍ سليمَةٍ وإيمانٍ ثابتٍ حتَّى نلقاكَ.. آمين!
كتبهُ: عبد ا$ بن عبد الحميد الأَثري.

