»حُسْنُ الظَّنِّ حياةُ القلوبِ وسلامَةُ الصُّدورِ«:

أَخي المسلم الصَّادق!

اعلمْ - وفَّقني اللهُ وإيَّاكَ لطهارَةِ القلبِ، وسلامَةِ الصَّدْرِ، والعدْلِ في الحكمِ على النَّاسِ - أَنَّ سوءَ الظَّنِّ مِن أَخطرِ الآفاتِ التي تُفسدُ المودَّةَ، وتُوهِنُ روابطَ الأُخوَّةِ؛ فهو قد يُحوِّلُ القريبَ بعيدًا، والصَّديقَ غريبًا، والكلمةَ المحتملةَ إلى تُهمةٍ، والموقفَ العابرَ إلى خصومةٍ مستحكمةٍ.

فكم فرَّقَ سوءَ الظنِّ بينَ مُتحابِّينَ، وقطعَ مِن أَرحامٍ، وأَفسَدَ مِن أُخوَّةٍ، وأَشعَلَ في القلوبِ نارًا لم يكنْ أَصلُها إلَّا وَهمًا، أَو خبرًا ناقصًا، أَو نقلًا مبتورًا، أَو تأْويلًا فاسِدًا، أَو اسْتِجابَةً لوسوسَةِ الشَّيطَانِ وتزيينِهِ.

قالَ اللهُ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحُجُرات: 12].

وليسَ حُسْنُ الظَّنِّ سذاجَةً، ولا غفلَةً، ولا تعطيلًا للفِطنَةِ، ولا تركًا للحذَرِ المشروعِ إذا قامَتْ أَسبابُهُ؛ وإنَّما هو «عدْلٌ في النَّظَرِ، وتثبُّتٌ قبَلَ الاتِّهامِ، وامْتِناعٌ عن بناءِ الأَحكامِ على الأَوهامِ والاحتمالاتِ المجرَّدَةِ».

فالمؤمنُ سليمُ الصَّدَرِ، ولكنَّهُ ليسَ مُغفَّلًا؛ يُحسنُ الظَّنَّ حيثُ لا موجِبَ للرِّيبَةِ، ويتثبَّتُ عندَ الاشتباهِ، ويحذرُ عندَ قيامِ القرائنِ المعتبرَةِ، ولا يَظلِمُ أَحدًا بظَنٍّ لم يقُمْ عليهِ دليلٌ.

ولا تجعَلْ قلبَكَ ميدانًا للخواطِرِ السَّيِّئةِ؛ فتُفسِّرَ كلَّ سكوتٍ جفاءً، وكلَّ مخالفَةٍ عداوَةً، وكلَّ تأْخُّرٍ إهمالًا، وكلَّ كلمَةٍ محتملَةٍ إساءَةً؛ فإنَّ كثيرًا مِن الخُصُوماتِ تبدَأُ مِن «تفسيرٍ سيِّئٍ، ثمَّ تكبرُ حتَّى تصبحَ قطيعَةً لم يكنْ لها أَصلٌ صحيحٌ».

فاسأَلِ اللهَ سلامَةَ الصَّدَرِ، وطهارَةَ القلبِ مِنَ الغِلِّ والحسَدِ والرِّيبَةِ، وتثبَّتْ قبْلَ أَن تحكمَ، والتَّمسْ لإخوانِكَ أَحسنَ المحامَلِ ما دامَ لذلكَ وجْهٌ معتبَرٌ؛ فإنَّ حُسنَ الظَّنِّ راحَةٌ للقلبِ، وحمايَةٌ للمودَّةِ، ومِن أَسبابِ إصلاحِ ذاتِ البينِ وجمعِ الكلمَةِ.

فحُسنُ الظَّنِّ ليسَ غفلَةً عن الواقعِ، وإنَّما هو عدْلٌ يمنعُكَ أَن تجعَلَ الوهمَ حقيقَةً، والاحتمالَ تُهمَةً، والشَّكَّ حُكمًا على عبادِ اللهِ.

فاللَّهُمَّ! طهِّرْ قلوبَنا مِن سوءِ الظَّنِّ والغِلِّ والحسَدِ، وارزقْنا صدورًا سليمَةً، ونفوسًا منصفَةً، وأَلسنَةً صادقَةً، وأَصلِحْ ذاتَ بينِنا، وأَلِّفْ بينَ قلوبِنا على الحقِّ والرَّحمَةِ.

كتبهُ: ‬عبد‭ ‬ا$ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬الأَثري‭.‬

Previous
Previous

»لا تدَعِ الفِتنَ تُغرِقُ قلبَكَ«:

Next
Next

»مِن فِقْهِ أَولويَّاتِ الدَّاعيَةِ« جَمْعُ الكلمَةِ على أُصُولِ الإسلامِ: