»مِن فِقْهِ أَولويَّاتِ الدَّاعيَةِ« جَمْعُ الكلمَةِ على أُصُولِ الإسلامِ:

أَخي الدَّاعية اللَّبيب!

اعلمْ - وفَّقني اللهُ وإيَّاكَ لفقهِ الأَولويَّاتِ وحُسنِ تقديرِ المآلاتِ - أَنَّ الدَّاعيَةَ لا يُسوِّي بينَ القضايا في زمنِ الفِتَنِ؛ بلْ يُقدِّمُ »الأَهمَّ فالمهمَّ، والأُصُولَ قبلَ الفروعِ، والفرائِضَ قبلَ النَّوافِلِ، وما يحفَظُ بيضَةَ الإسلامِ وجماعَةَ المسلمينَ على ما يزيدُهم تفرُّقًا وتنازعًا«.

ومِن أَعظمِ أَولويَّاتِ الدَّعوَةِ في عصرِنا: «جمْعُ كلمَةِ المسلمينَ على محكماتِ الدِّينِ وثوابتِهِ»؛ فالأُمَّةُ تواجِهُ أَخطارًا كُبرى، ولا يليقُ بالدُّعاةِ أَن يُضيفوا إلى ضعفِها ضعفًا، وإلى تفرُّقِها تفرُّقًا؛ بتحويلِ المسائِلِ الفرعيَّةِ إلى معاركَ كُبرى تستنزِفُ الطَّاقاتِ وتُفسِدُ القلوبَ.

وليسَ معنى ذلكَ تمييعَ الحقِّ، أَو إقرارَ البدعَةِ والمنكرِ، أَو السُّكوتَ عن الباطِلِ؛ ولكنَّ المنكراتِ ليسَتْ في رتبَةٍ واحدَةٍ، والمخالفاتُ ليسَتْ كلُّها شركًا أَو كفرًا، ولكلِّ مقامٍ فقهُهُ، ولكلِّ إنكارٍ ميزانُهُ في المصلحَةِ والمفسدَةِ والمآلِ.

فقدْ تكونُ المسأَلَةُ عندَ بعضِ أَهلِ العلْمِ بدْعَةً أَو خطأً، ولكنَّها لا تُخرِجُ صاحبَها مِن دائرَةِ الإسلامِ، ولا يصِحُّ أَن تتحوَّلَ إلى معيارٍ دائمٍ للولاءِ والبراءِ، أَو سبَبٍ لتفريقِ المسلمينَ في وقتٍ هم أَحوجُ فيهِ إلى الاجتماعِ على أُصُولِ دينِهم.

ومثالُ ذلكَ: ما يتكرَّرُ كلَّ عامٍ مِنَ الخُصُومَةِ حولَ »المولدِ النَّبويِّ«؛ فمَن رأَى عدمَ مشروعيَّتِهِ؛ فليبيِّنْ قولَهُ بعلْمٍ وأَدَبٍ.. ومَن أَخَذَ بقولِ مَن أَجازَ بعضَ صورِهِ؛ فليلتزمْ ما خلا مِنَ الشِّركِ والمحرَّماتِ والغلوِّ..؛ ولا ينبغي أَن يتحوَّلَ هذا الخلافُ كلَّ عامٍ إلى معركَةٍ تُقسِّمُ المسلمينَ وتستهلكُ جهودَ الدُّعاةِ.

فالدَّاعيةُ الرَّاشدُ لا يسأَلُ فقطْ: ما حكمُ هذِهِ المسأَلَةِ؟ بلْ يسأَلُ أَيضًا: ما رتبتُها؟ وما وقتُ بيانِها؟ وما أَثرُ إثارتِها؟ وهلْ تخدِمُ الآنَ حفْظَ الدِّينِ وجمْعَ الكلمَةِ، أَمْ تُوسِّعُ شقاقًا يمكنُ تضييقُهُ؟

ففي زمنِ التَّفرُّقِ، مِن أَعظَمِ الفقهِ أَن نجمَعَ المسلمينَ على أُصُولِ الإسلامِ ومحكماتِهِ، ونُبقيَ مسائِلَ الفروعِ في أَحجامِها الحقيقيَّةِ؛ فلا نُسقِطُ حقًّا، ولا نُقرُّ باطلًا، ولا نجعَلُ كلَّ مخالفَةٍ معولًا نهدْمُ بهِ ما بقيَ مِن وحدَةِ الأُمَّةِ.

كتبهُ: ‬عبد‭ ‬ا$ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬الأَثري‭.‬

Previous
Previous

»حُسْنُ الظَّنِّ حياةُ القلوبِ وسلامَةُ الصُّدورِ«:

Next
Next

»صلاحُ القلبِ وصِدْقُ النِّيَّةِ مِن مفاتيحِ الخيراتِ«: