»صلاحُ القلبِ وصِدْقُ النِّيَّةِ مِن مفاتيحِ الخيراتِ«:
أَخي المسلم الصَّادق!
اعلمْ - وفَّقني اللهُ وإيَّاكَ لصلاحِ السَّريرَةِ، وصِدْقِ النِّيَّةِ، وإخلاصِ العمَلِ - أَنَّ صلاحَ القلبِ مِن أَعظمِ أُصولِ الاستقامَةِ، وأَنَّ صِدْقَ القصْدِ للهِ تعالى مِن أَجلِّ أًسبابِ التَّوفيقِ والبركةِ؛ فإذا طهُرَ القلبُ مِنَ الغِشِّ والحسًدِ والرِّياءِ وسوءِ القصْدِ، وصَدَقَ العبدُ في طلَبِ مرضاةِ رَبِّهِ؛ رُجِيَ لهُ مِنَ التَّسديدِ والخيرِ ما لا يبلُغُهُ بمجرَّدِ الحَولِ والقوَّةِ.
وليسَ المقصودُ أَنَّ صلاحَ النِّيَّةِ وحدَهُ يُصحِّحُ كلَّ عمَلٍ؛ فحُسنُ القصْدِ لا يُغني عن صِحَّةِ الطَّريقِ، وإنَّما العمَلُ المقبولُ يقومُ على أَصلينِ عظيمينِ: الإخلاصِ للهِ، والمتابعَةِ لرسولِ اللهِ ﷺ.
ومعَ ذلكَ؛ فالقلبُ هو مبدَأُ السَّيرِ ومَنبعُ الأَعمالِ، وإذا صلَحَ انعكسَ صلاحُهُ على الأَقوالِ والأَفعالِ، وإذا فسدَ أَفسَدَ على صاحبِهِ كثيرًا مِن ظاهِرِ عملِهِ، وإن حسُنَ في أَعينِ النَّاسِ.
قالَ اللهُ تعالى: ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنفال: 70].
وهذه الآيةُ وإنْ وردَتْ في سياقِ أَسرى بدرٍ؛ ففيها دلالةٌ جليلَةٌ على عِظَمِ شأْنِ ما يقومُ في القلوبِ مِن خيرٍ وصِدْقٍ؛ فاللهُ تعالى يعلَمُ السَّرائِرَ، ولا تخفَى عليهِ خافيَةٌ، ويُجازي العبادَ بفضلِهِ وعدلِهِ على ما عَلِمَهُ فيهم مِن إيمانٍ وصِدْقٍ وإرادَةٍ للخيرِ.
فتأَمَّلْ - رعاكَ اللهُ - كم بينَ عملينِ تتشابَهُ صورتُهما، ويفترقانِ عندَ اللهِ بما قامَ في القلبِ مِن إخلاصٍ أَو رياءٍ، وصِدْقٍ أَو طلَبِ محمدَةٍ، وتجريدٍ للهِ أَو التِّفاتٍ إلى حُظُوظِ النَّفسِ.
فأَصلِحْ قلبَكَ قبلَ أَن تنشغِلَ بتحسينِ صورتِكَ عندَ النَّاسِ، وجدِّدْ نِيَّتَكَ قبلَ العمَلِ وفي أَثنائِهِ وبعدَهُ، واسأَلِ اللهَ صِدَقَ القصْدِ وصِحَّةَ الاتِّباعِ؛ فإنَّ النِّيَّةَ الصَّالحةَ تُبارِكُ العمَلَ الصَّالحَ، ولكنَّها لا تُحوِّلُ الخطأَ إلى صوابٍ، ولا البِدَعَةَ إلى سُنَّةٍ، ولا الحرامَ إلى حلالٍ.
فصلاحُ الباطنِ لا يُغني عن صلاحِ الظَّاهرِ، وصلاحُ الظَّاهرِ لا ينفَعُ معَ فسادِ السَّريرَةِ؛ وإنَّما كمالُ الاستقامَةِ أَن يَصْدُقَ القلبُ معَ اللهِ، ويستقيمَ العمَلُ على هَدْيِ رسولِ اللهِ ﷺ.
فاللَّهُمَّ! أَصلِحْ قلوبَنا، وطهِّرْ نِيَّاتِنا، وارزقْنا صِدْقَ القصْدِ وصِحَّةَ العمَلِ، واجعَلْ في قلوبِنا خيرًا ترضاهُ عنَّا، وافتحْ لنا مِن أَبوابِ فضلِكَ ورحمتِكَ ما يُقرِّبُنا إليكَ، واغفرْ لنا؛ إنَّكَ أَنْتَ الغفورُ الرَّحيمُ.. آمين!
كتبهُ: عبد ا$ بن عبد الحميد الأَثري.

