»وَفاءُ الأُمَّةِ لِعُلَمائِها« إكرامُ الأَحياءِ قبلَ رِثاءِ الأَمواتِ:
أَخي المسلم اللبيب!
اعلمْ - وفَّقني اللهُ وإيَّاكَ لمعرفَةِ أَقدارِ أَهلِ العلْمِ، وحُسْنِ الوفاءِ لهم - أَنَّ الوفاءَ للعلماءِ لا يكونُ بأَن نملأَ المجالسَ بالحديثِ عن مناقبِهم بعدَ موتِهم، ثمَّ نتركَ علماءَنا الأَحياءَ متفرِّقينَ، أَو مُهمَّشينَ، أَو مُستضعَفينَ، أَو مُحاصَرينَ بالتُّهمِ والخُصُوماتِ.
وليسَ مِنَ العدْلِ أَن نُكرمَ العالِمَ حينَ يصبحُ تاريخًا، ونُهملَهُ حينَ يكونُ قادرًا على العطاءِ، والتَّوجيهِ، والتَّعليمِ، والإصلاحِ، وبذْلِ الخبرَةِ للأُمَّةِ.
إنَّ تراثَ العلماءِ الرَّاحلينَ يُضيءُ لنا معالمَ الطَّريقِ، ويصِلُ حاضرَنا بميراثِ العلْمِ والهدايَةِ؛ ولكنَّ علماءَنا الأَحياءَ هم الذين يُعينونَنا على فَهْمِ نوازلِ عصرِنا، واستيعابِ تحوُّلاتِ واقعِنا، والاجتهادِ في تنزيلِ أُصُولِ الشَّريعَةِ على ما يستجِدُّ مِن أَحداثٍ وقضايا.
والأُمَّةُ التي لا تعرفُ قدرَ علمائِها في حياتِهم؛ قدْ تبكيهم طويلًا بعدَ رحيلِهم؛ ولكنَّ البكاءَ لا يستردُّ فرصَةً ضاعَتْ، ولا علمًا كانَ يمكنُ أَن يُبذَلَ، ولا خبرَةً كانَ يمكنُ أَن تُنقَلَ، ولا كلمَةً كانَ يمكنُ أَن تجمَعَ شملًا أَو تُصلحَ خللًا.
فلنترحَّمْ على علمائِنا الرَّاحلينَ، ولنحفَظْ تراثَهم، ولنُحْسنِ الإفادَةَ مِن صوابِهم، والاعتبارَ بما وقعَ منهم مِن اجتهادٍ أَو خطأٍ؛ ولكنْ لنجتهدْ في الوقتِ نفسِهِ في «جمعِ علمائِنا الأَحياءِ، وتفقُّدِ أَحوالِهم، والانتفاعِ بخبراتِهم، وتشجيعِ مُصيبِهم، ونُصْحِ مُخطئِهم، ونُصرَةِ مظلومِهم، وإعانتِهم على أَداءِ رسالتِهم».
فليسَ توقيرُ العلماءِ تقديسًا لهم، ولا السُّكوتَ عن أَخطائِهم؛ وإنَّما هو إنصافٌ يجمَعُ بينَ حفظِ المقامِ، وقَبولِ النُّصْحِ، وتصحيحِ الخطإِ، والاستفادَةِ مِن العلْمِ والخبرَةِ، بعيدًا عن التَّشهيرِ والإسقاطِ والجحودِ.
«فالعالِمُ لا يحتاجُ إلى مَن يَرثيهِ بعدَ موتِهِ بقدْرِ حاجتِهِ إلى مَن يعرفُ قدرَهُ في حياتِهِ، ويفهمُهُ، وينصحُهُ، ويُعينُهُ، ويحفظُ مكانتَهُ، ويُهيِّئُ لهُ ميدانَ العطاءِ والنَّفعِ».
فإكرامُ العلماءِ بعدَ موتِهم وفاءٌ؛ »وأَمَّا إكرامُهم في حياتِهم، والانتفاعُ بهم، وجمعُ كلمتِهم على الحقِّ؛ فهو وفاءٌ وحكمةٌ ومسؤوليَّةٌ تجاهَ حاضرِ الأُمَّةِ ومستقبلِها«.
فاللَّهُمَّ! ارحمْ علماءَنا الذينَ مضَوا، واحفظْ علماءَنا الأَحياءَ، واجمعْ كلمتَهم على الحقِّ والهُدى، وارزقْهم العلمَ النَّافعَ، والبصيرَةَ في الدِّينِ، والصِّدْقَ والإخلاصَ، واجعلْهم مفاتيحَ للخيرِ، مغاليقَ للشَّرِّ، وارزقِ الأُمَّةَ حُسنَ الانتفاعِ بهم، والقيامَ بحقوقِهم؛ إنَّكَ سميعٌ قريبٌ.. آمين!
كتبهُ: عبد ا$ بن عبد الحميد الأَثري.

