»حينَ تَغيبُ الحُجَّةُ ويَتقدَّمُ سُلطانُ القوَّةِ«:
أَخي المسلم اللبيب!
اعلمْ - وفَّقني اللهُ وإيَّاكَ للبصيرةِ والعدلِ، والثَّباتِ على الحقِّ - أَنَّ الأَفكارَ لا تكتسِبُ صِحَّتَها بقوَّةِ مَن يفرضُها، كما أَنَّ الحقَّ لا يَبطُلُ بضعْفِ أَهلِهِ؛ فميزانُ الأَفكارِ هو »الدَّليلُ والبرهانُ، لا السُّلطَةُ والنُّفوذُ«.
ومِن سُننِ الصِّراعِ الفكريِّ أَنَّ بعضَ الاتِّجاهاتِ الغريبَةَ عن هُويَّةِ الأُمَّةِ ومرجعيَّتِها؛ إذا عجزَتْ عن بناءِ القناعَةِ الحرَّةِ بالحُجَّةِ والبيانِ، لجأَتْ إلى توظيفِ أَدواتِ السُّلطَةِ، أَو الإعلامِ، أَو القانونِ، أَو النُّفوذِ المؤَسَّسيِّ لفرضِ تصوُّراتِها وتوسيعِ حضورِها؛ فتنتقِلُ المواجهَةُ حينئذٍ مِن ميدانِ البرهانِ والإقناعِ إلى ميدانِ الفرضِ والإقصاءِ وصناعَةِ الأَمرِ الواقعِ.
وليسَ الخطَرُ في مجرَّدِ وجودِ مخالفٍ فكريٍّ؛ فالمخالِفُ يُناقَشُ، والشُّبهةُ تُكشَفُ، والفكرَةُ تُوزَنُ بالدَّليلِ. وإنَّما الخطَرُ حينَ تُقصى الحُجَّةُ، ويُستعاضُ عنها بالقوَّةِ، وحينَ تُفرَضُ على المجتمعاتِ تصوُّراتٌ تمسُّ دينَها وهُويَّتَها وقِيَمَها، ويُضيَّقُ على البيانِ العلميِّ والدَّعويِّ لا لأَنَّهُ عجزَ عن الجوابِ؛ بلْ لأَنَّ المجالَ نفسَهُ أُغلِقَ أَمامَ الحُجَّةِ.
والحقُّ لا يحتاجُ إلى ظُلمٍ لينتصِرَ، كما أَنَّ أَهلَهُ لا يجوزُ لهم أَن يقابلوا التَّعسُّفَ بتعسُّفٍ مثلِهِ؛ بلِ الواجِبُ أَن يجمعوا بينَ »الثَّباتِ بلا تهوُّرٍ، والبيانِ بلا تجنٍّ، والقوَّةِ في الحُجَّةِ بلا ظُلمٍ، والصَّبرِ معَ فقهِ الواقعِ والمآلاتِ«.
فميزانُنا ليسَ التَّشفِّي، ولا التَّعميمَ، ولا اتِّهامَ النِّيَّاتِ؛ وإنَّما العدْلُ والبرهانُ:
• مَن ناقشَ الفكرَةَ بالحُجَّةِ، نوقشَ بالحُجَّةِ.
• ومَن اسْتَعمَلَ السُّلطَةَ لإسكاتِ الحُجَّةِ، كُشِفَ خللُ مسلكِهِ بالعدْلِ والبيانِ.
• ومَن اسْتَندَ في تقريرِ أَفكارِهِ إلى النُّفوذِ أَكثرَ مِن اسْتِنادِهِ إلى البرهانِ؛ فلا ينبغي أَن يظنَّ أَنَّ غلبَةَ القوَّةِ دليلٌ على صِحَّةِ الفكرَةِ.
فالسُّلطَةُ قدْ تفرضُ واقعًا، والإعلامُ قدْ يصنَعُ انطباعًا، والقانونُ قدْ يُلزِمُ سلوكًا؛ ولكنَّ ذلكَ كلَّهُ لا يحوِّلُ الباطِلَ حقًّا، ولا يُغني عن البرهانِ، ولا يقتلِعُ العقائِدَ الرَّاسخَةَ مِنَ القلوبِ بمجرَّدِ القهْرِ.
فاللَّهُمَّ! ثبِّتنا على الحقِّ، وارزقْنا العلمَ والعدلَ والحكمةَ، واجعلْ حُجَّتَنا قائمةً بالبيانِ لا بالظُّلمِ، واحفظْنا مِنَ الباطلِ وأَعوانِهِ، ومِن أَن نظلمَ أَحدًا ونحنُ نزعمُ أَنَّنا ننتصرُ للحقِّ.
كتبهُ: عبد ا$ بن عبد الحميد الأَثري.

