»واجباتُ الدُّعاةِ في عصْرِ الفتْنِ والسُّرعَةِ«:
أَخي الدَّاعية اللَّبيب!
اعلمْ - وفَّقني اللهُ وإيَّاكَ للبصيرَةِ والسَّدادِ - أَنَّ واجِبَ الدَّاعيَةِ اليومَ ليسَ أَن يجيبَ عن كلِّ صوتٍ، أَو يخوضَ كلَّ معركَةٍ، أَو يلاحِقَ كلَّ حادثَةٍ؛ وإنَّما واجبُهُ الأَعظمُ أَن يُعيدَ بناءَ الإنسانِ المسلمِ مِن داخلِهِ: معرفَةً بربِّهِ، ويقينًا بوحيِهِ، واتِّباعًا لنبيِّهِ ﷺ وعبوديَّةً صادقَةً، وخُلُقًا كريمًا، وعقْلًا بصيرًا يَزِنُ ولا يضْطرِبُ.
فابدَأْ ببناءِ »آمنَّا وصدَّقْنا« في القُلوبِ؛ لتثمِرَ »سمعْنا وأَطعْنا« في الجوارحِ، وقدِّمِ الأُصُولَ على الفروعِ، والأَهمَّ على المهمِّ، والتَّربيَةَ على الخُصُومَةِ، والقدوَةَ على كثرَةِ الموعظَةِ. وادعُ بالحكمَةِ والرِّفقِ، وراعِ أَحوالَ النَّاسِ، واجمعْهم على أُصُولِ الإسلامِ، ولا تجعَلِ الدَّعوَةَ سلسلَةً مِنَ الرُّدودِ والمعاركِ الَّتي تُكثرُ الغضَبَ ولا تبني الإيمانَ.
وحصِّنِ النَّاسَ مِنَ الشُّبهاتِ ببناءِ اليقينِ، ومِنَ الشَّهواتِ بإيجادِ البدائِلِ المشروعَةِ، وامتلكْ أَدواتِ العصْرِ مِن غيرِ أَن تمتلكَكَ، والزمْ حدودَ علمِكَ واختصاصِكَ، وتعاونْ معَ العلماءِ والمربِّينَ وأَهلِ الخبرَةِ؛ فإنَّ تعقيدَ العصرِ أَكبرُ مِن أَن يحيطَ بهِ فردٌ واحدٌ.
ولا تَقِسْ نجاحَكَ بكثرةِ المتابعينَ وضجيجِ الأَرقامِ؛ بلْ بصحَّةِ البلاغِ، وأَثرِ الإيمانِ والعبادَةِ والأَخلاقِ والثَّباتِ. فالدَّاعيَةُ النَّاجحُ ليسَ مَن يربطُ النَّاسَ بشخصِهِ، بلْ مَن يدلُّهم على ربِّهم، ويربطُهم بوحيِهِ، ويتركُ فيهم أَثرًا صالحًا يبقى ولو غابَ صوتُهُ وصورتُهُ.
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾.
كتبهُ: عبد ا$ بن عبد الحميد الأَثري.

