»دِرَّةُ عمرَ«: ميزانُ الهيبَةِ وسُلطانُ العَدْلِ..
أَخي المسلمَ الصَّادق اللَّبيب!
اعلمْ - رعاكَ اللهُ - أَنَّ دِرَّةَ عمرَ بنِ الخطَّابِ رضيَ اللهُ عنهُ؛ لم تكنْ مجرَّدَ سوطٍ يُحمَلُ في اليدِ، ولا قصَّةً تُروى للتشويقِ والتعظيمِ؛ بل كانتْ رمزًا لمنهجٍ كاملٍ في إقامةِ العدلِ، وحراسَةِ الهيبَةِ الشَّرعيَّةِ، ومنعِ العبثِ بمصالحِ العبادِ. لقدْ كانتْ هذِهِ الدِّرَّةُ عنوانًا على أَنَّ القيادَةَ تبعَةٌ لا ترفٌ، وأَنَّ الوِلايَةَ أَمانَةٌ لا زينَةٌ. وإنَّ المجتمَعَ لا يستقيمُ بـ «المواعِظِ البارِدَةِ» وحدَها إذا ماتَتْ فيهِ هيبَةُ الحقِّ، ولا تُحفظُ المصالحُ إذا تُرِكَ العابثُ يعبَثُ، والمتصدِّرُ بغيرِ أَهليَّةٍ يُفسدُ العقولَ والمؤَسَّساتِ. أَوَّلاً- جوهَرُ الدِّرَّةِ؛ العَدْلُ لا التَّشفِّي: لم تكنْ دِرَّةُ الفارُوقِ أَداةَ استِبدادٍ أَو انتِقامٍ؛ بلْ كانتْ دِرَّةَ تقويمٍ وتأْديبٍ؛ تُذكِّرُ «الكبيرَ» قبلَ «الصَّغيرِ» أَنَّ للأُمَّةِ حرمَةً، وأَنَّ المناصِبَ ليسَتْ حمًى لأَصحابِها، بلْ هي محضُ خِدمَةٍ للرَّعيَّةِ. لم تكنْ تضربُ الظُّهورَ إلَّا لتحميَ الحقوقَ التي أَرادَ الهوى والمحاباةُ إضاعَتها. ثانيًا- الحاجَةُ إلى «رُوحِ الدِّرَّةِ» اليومَ: ما أَحوجَنا اليومَ إلى معنى الدِّرَّةِ المنهجيِّ، لا صورَتِها الحسِّيَّةِ! نحتاجُ إليها في: ١- الحزمِ العادِلِ: الَّذي يوقِفُ المتعدِّيَ عندَ حدِّهِ. ٢- الرَّقابَةِ الصَّادِقَةِ: التي تمنَعُ «الضَّعيفَ» أَن يتصدَّرَ باسمِ الطَّاعَةِ. ٣- المحاسبَةِ المنضبطَةِ: التي تمنَعُ «المتزلِّفَ» أَن يعلُوَ باسمِ القُربِ. ٤- صيانَةِ العلمِ: أَن لا يلبَسَ صاحِبُ الهوى ثوبَ الدَّعوةِ ليُحقِّقَ مآرِبَهُ. ثالثًا- ميزانُ الدِّرَّةِ في وجوهِ الخلقِ: إِنَّ الدِّرَّةَ المطلوبَةَ اليومَ هي «ميزانٌ ناطِقٌ» يقولُ لكلِّ ذي شأْنٍ شأْنَهُ: ١- للقائِدِ: اتَّقِ اللَّهَ فيمَن تحتَ يدِكَ؛ فأَنتَ راعٍ ومسؤُولٌ. ٢- للعالِمِ: لا تجعَلِ العلمَ سُلَّمًا للـجاهِ أَو بريدًا للسَّلاطينِ. ٣- للمُؤَسَّسَةِ: لسْتِ مِلكًا للأَشخاصِ؛ بلْ وقفٌ للدِّينِ والأُمَّةِ. ٤- للتَّابِعِ: لا تجعَلِ «الطَّاعَةَ العمياءَ» دينًا، ولا يكنْ أَدَبُكَ معَ الكِبارِ بابًا لتعطيلِ الحقِّ. ٥- للمتصدِّرِ: إِن لم تكنْ أَهلًا للأَمانَةِ فاعتزِلْ؛ فزحمَةُ العاجزينَ تعوقُ القادرينَ. رابعًا: مناعَةُ الأُمَّةِ بقُوَّةِ الحقِّ: إِنَّ الأُمَّةَ التي تفقِدُ هيبَةَ «دِرَّةِ عمرَ» تفقِدُ مناعتَها؛ فتُجامِلُ حيثُ يجبُ البيانُ، وتسكُتُ حيثُ يجبُ الإنكارُ، وتستَبدِلُ بـ «الحزمِ الرَّصينِ» رخاوَةً تقتُلُ الإِبداعَ وتُشجِّعُ المفسدينَ. فرضيَ اللَّهُ عن عمرَ، وعنْ دِرَّتِهِ التي بقيَتْ رمزًا لا يموتُ؛ تُعلِّمُنا أَنَّ العدْلَ لا يعيشُ بِلا قوَّةٍ تحميهِ، وأَنَّ الرَّحمَةَ لا تصحُّ بِلا حزمٍ يُسدِّدُها. اللَّهُمَّ! أَحي فينا عدلَ عمرَ وحزمَهُ، واجعلْ قوَّتَنا رحمةً، وحزمَنا عدلًا، وولايتَنا أَمانَةً، ولا تجعلْنا ممَّن يهابُ النَّاسَ ولا يهابُك.
عبدالله بن عبدالحميد الأثري

