ميثاقُ المنهجِ: بينَ أَصالَةِ القاعدَةِ وخطَرِ التَّنزيلِ..
أَخي طالبَ العلمِ الصَّادقَ اللَّبيب! اعلمْ - وفقكَ اللهُ - أَنَّ فهمَ النُّصوصِ لهُ أُصولٌ وقواعِدُ، وأَنَّ الرُّجوعَ إلى الكتابِ والسُّنَّةِ بفهمِ السَّلفِ الصَّالحِ هو الميزانُ؛ فمَن لا أَصلَ لهُ لا فرعَ لهُ، ولا خلافَ بينَ أَهلِ السُّنَّةِ في هذا الأَصلِ، وإنَّما يقعُ الخِلافُ في «تصوُّرِ» هذِهِ الأُصولِ وتنزيلِها على الواقِعِ. وهنا تبرُزُ إشكاليَّةٌ محوريَّةٌ: إذا كانَ الجميعُ يُقرُّ بهذِهِ الأُصولِ؛ فلماذا يستمِرُّ الاختلافُ ويتَّسِعُ نطاقُ التَّضليلِ؟ والجوابُ: أَنَّ موضعَ الخللِ ليسَ في «تقريرِ الأَصلِ» بلْ في دقَّةِ الفهمِ، وحُسْنِ التَّنزيلِ، وسلامَةِ القَصدِ. ويمكنُ تفكيكُ هذا الخللِ في ثلاثِ نقاطٍ محوريَّةٍ: ١- التَّعصُّبُ في فهمِ الأُصولِ: حيثُ يجعَلُ بعضهُمْ فهمَهُ الخاصَّ للأَصلِ هو الميزانَ لا الأَصلَ نفسَهُ؛ فينقلِبُ الميزانُ عندَهُ من «الوحي المعصومِ» إلى «الأَفهامِ القاصرَةِ». ٢- سوءُ التَّنزيلِ (تحقيقُ المناطِ): فيُطبِّقُ النُّصوصَ أَو القواعِدَ في غيرِ مواضعِها، أَو يُنزِّلُ الأَحكامَ على الأَشخاصِ والنَّوازلِ بِلا تحريرٍ دقيقٍ للمسأَلَةِ؛ فيقَعُ الجورُ باسمِ العلمِ. ٣- خللُ القصدِ وغلبَةُ الهوى: فلا يكونُ طلبُ الحقِّ هو الغايَةَ، بلِ الانتصارُ للنَّفسِ أَو الطَّائفَةِ؛ فتضعُفُ البصيرَةُ، ويزَيَّنُ الخطأُ في صورَةِ الحقِّ المبينِ. الخُلاصَةُ المنهجيَّةُ: ليسَ كلُّ مَن عرفَ الأُصولَ أَحسنَ فهمَها، ولا كلُّ مَن فهمَها أَحسنَ تنزيلَها، ولا كلُّ مَن نزَّلَها سلِمَ قصدُهُ فيها؛ فمَتى اجتمَعَ صحَّةُ الأَصلِ، وسلامَةُ الفهمِ، ودقَّةُ التَّنزيلِ، وإخلاصُ القصدِ؛ انكشفَ الحقُّ واندفَعَ التَّضليلُ. فالحقُّ لا يُعرفُ بالرِّجالِ؛ بل يُعرفُ الرِّجالُ بالحقِّ! فمَن قدَّمَ فهمَهُ على الدَّليلِ، وأَطلقَ أَحكامَهُ بِلا ميزانٍ؛ فقد جعلَ نفسَهُ حكمًا على الوحي لا تابعًا لهُ. فحطِّمْ صنَمَ «الأَنا المنهجيَّةِ»؛ تُبْصِرِ الحقَّ كما هو، وتنجُ من ظُلمَةِ التَّعصُّبِ إلى نورِ الهدايَةِ. اللَّهُمَّ! يا مقلِّبَ القلوبِ؛ ثبِّتْ قلوبَنا على الحقِّ، وأَرنا الحقَّ حقًّا وارزُقنا اتِّباعَهُ، وأَرنا الباطلَ باطلًا وارزُقنا اجتنابَهُ، وطهِّرْ قلوبَنا من الهوى والتَّعصُّبِ، واجعلْنا من أَهلِ العَدْلِ والإنصافِ؛ إنَّكَ سميعٌ قريبٌ.
عبدالله بن عبدالحميد الأثري

