»أَمانَةُ الميثاقِ؛ العلماءُ بينَ مقامِ الوراثَةِ وحسابِ التَّاريخِ«:
أَيُّها العالمُ المتصدِّرُ، ويا وارثَ النُّبوَّةِ المؤْتمنِ!
اعلمْ - رعاكَ اللهُ - أَنَّ مقامَكَ في الأُمَّةِ ليسَ تشريفًا يُزيِّنُ المحافلَ، ولا رُتبَةً وظيفيَّةً تتنازعُها نوازعُ البيروقراطيَّةِ وشبكاتُ الولاءِ؛ بلْ هو «مقامُ توقيعٍ عن رَبِّ العالمينَ» وحِملٌ ثقيلٌ تنوءُ بهِ العزائمُ الضَّعيفَةُ، ولا ينهضُ بهِ إلَّا مَن عظُمَتْ مراقبتُهُ للهِ تعالى، وصدقَتْ غيرتُهُ على دينِهِ وأُمَّتِهِ.
إنَّ العلماءَ هم صمَّامُ الأَمانِ في الوجودِ الحضاريِّ للأُمَّةِ؛ فإذا استقاموا استقامتْ بوصلتُها، وإذا ضعفوا اضطربَ مسارُها، وإذا سرى الخللُ إلى مقامِ البيانِ والفتوى والتَّوجيهِ؛ كانَ ذلكَ إيذانًا بـ «خرابٍ عريضٍ» لا يقفُ عندَ حدودِ المؤَسَّساتِ، بلْ يتسرَّبُ إلى وعي الأُمَّةِ وضميرِها ومصيرِها.
أَوَّلًا- عِظَمُ المسؤُوليَّةِ، وأَمانَةُ الحِملِ الثَّقيلِ:
إنَّ وظيفةَ العالمِ الربَّانيِّ لا تقفُ عندَ حدودِ «الاجترارِ المعرفيِّ» للمتونِ، ولا عندَ ترديدِ محفوظاتٍ لا تنفذُ إلى واقعِ النَّاسِ ونوازلِهم؛ بلْ تتجاوزُ ذلكَ إلى قيادَةِ المساراتِ، وترشيدِ المواقفِ، وتنزيلِ العلمِ على الواقعِ بفقهٍ وبصيرةٍ وعدلٍ.
فالأُمَّةُ اليومَ! لا تحتاجُ إلى مَن يحصرُ وظيفَةَ العلمِ في «جزئيَّاتٍ معزولَةٍ» عن مقاصدِ الشَّريعَةِ وكليَّاتِها، ولا إلى مَن يحسنُ الكلامَ في أَبوابٍ محدودَةٍ، ثم يجهلُ مكائِدَ السِّياسَةِ، وفقهَ الدَّولَةِ، وسننَ الاجتماعِ، ومآلاتِ الفتوى، وخرائطَ الصِّراعِ؛ وإنَّما تحتاجُ إلى «ربَّانيِّينَ» يجمعونَ بينَ «رسوخِ النَّصِّ وبصيرَةِ الواقعِ» وبينَ «تعظيمِ الدَّليلِ وفقهِ التَّنزيلِ» وبينَ «حرارَةِ الإيمانِ وحكمةِ البيانِ».
فالعالمُ الذي يصمتُ حينَ يُنتهكُ الحقُّ، أَو يتوارى خلفَ حجابِ «السَّلامَةِ الوظيفيَّةِ» أَو يلوذُ بالصَّمتِ حينَ تحتاجُ الأُمَّةُ إلى كلمَةٍ صادقَةٍ فاصلَةٍ، هو - في الحقيقَةِ - مستقيلٌ من أَداءِ ميثاقِ العلمِ، وإنْ بقيَ جالسًا على كرسيِّهِ، متصدِّرًا في محرابِهِ ومنبرِهِ.
ثانيًا- بينَ البيانِ والكتمانِ؛ الميثاقُ الغليظُ ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾:
لقدْ أَخذَ اللهُ على أَهلِ العلمِ الميثاقَ أَنْ يبيِّنوا ولا يكتموا، وأَنْ يصدَعوا بالحقِّ ولا يلبسوهُ بالباطلِ، وأَنْ يكونوا شهداءَ للهِ بالقسطِ، لا شهودًا للمصالحِ والأَهواءِ.
وليسَ الكتمانُ أَنْ تُخفى النُّصوصُ وحدَها، بلْ من الكتمانِ أَنْ «يعطَّلَ فقهُ التَّنزيلِ»؛ فيعرفَ العالمُ الحقَّ، ثمَّ يعجزَ عن جعلِهِ نورًا يهدي الحائرينَ في ظلماتِ الفتنِ، أَو ميزانًا يضبطُ حركةَ النَّاسِ عندَ اشتباهِ السُّبلِ، أَو صمَّامَ أَمانٍ يحولُ دونَ انزلاقِ الأُمَّةِ إلى مهاوي الجهلِ والعصبيَّةِ والفوضى.
إنَّ انفصالَ العالمِ عن مجتمعِهِ، وركونَهُ إلى تكتُّلاتِ المصالحِ، واستسلامَهُ لسقفِ الولاءاتِ الضيِّقةِ، وتحوُّلَهُ إلى مجرَّدِ «مُعَلِّقٍ» على الأَحداثِ بعدَ فواتِ أَوانِها، ليسَ عجزًا إداريًّا فحسبُ؛ بلْ هو ضربٌ من خيانَةِ الأَمانَةِ العلميَّةِ؛ لأَنَّ العلمَ الذي لا يهدي الواقعَ، ولا يبصِّرُ العبادَ بمواقعِ أَقدامِهم، ولا يرفعُ عنهم غشاوةَ الفتنَةِ، يتحوَّلُ من نورٍ قائدٍ إلى كلامٍ باردٍ لا يغيِّرُ ولا ينقذُ.
ثالثًا- الحسابُ الشَّديدُ بينَ موقفِ العرضِ وشهادَةِ التَّاريخِ:
تذكَّرْ - رعاكَ اللهُ - أَنَّ للعلمِ حسابينِ لا مفرَّ منهما:
* «أَمَّا أَمامَ اللهِ»؛ فستُسأَلُ عن علمِكَ: ماذا عملتَ فيهِ؟
وستُسأَلُ عن صمتِكَ حينَ نادتكَ الملمَّاتُ، وعن تردُّدِكَ حينَ احتاجَ الحقُّ إلى ثباتِكَ، وعن مجاملتِكَ حينَ كانَ الواجبُ نصحًا وبيانًا، وعن خوفِكَ على منصبٍ فانٍ حينَ كانَ المقامُ مقامَ نصرَةٍ لدينِ اللهِ تعالى.
إنَّ الحسابَ شديدٌ على مَن باعَ دينَهُ بعرضٍ من الدُّنيا، أَو زيَّنَ لظالمٍ ظلمَهُ، أَو لبَّسَ على النَّاسِ باطلًا، أَو جبنَ عن كلمَةِ الحقِّ مخافةَ منصبٍ، أَو وجاهَةٍ، أَو جمهورٍ.
* «وأَمَّا أَمامَ التَّاريخِ»؛ فإنَّ التَّاريخَ لا يرحمُ الخانعينَ، ولا يخلِّدُ أَصحابَ المواقفِ الرخوَةِ؛ فكم من عمامَةٍ طواها النسيانُ؛ لأَنَّها كانتْ ذيلًا للأَحداثِ، وكم من عالمٍ بقيَ قبلةً للأَجيالِ؛ لأَنَّه آثرَ مرضاةَ اللهِ على سلامَةِ المنصبِ، ولبسَ «جلبابَ الشَّجاعَةِ» وثبتَ في المحنَةِ، وقالَ كلمَةَ الحقِّ حينَ صمتَ المتردِّدونَ.الخلاصَةُ المنهجيَّةُ:إنَّ إصلاحَ الأُمَّةِ يبدأُ من إصلاحِ مقامِ العلمِ، ومن إعادَةِ الاعتبارِ للمؤَسَّساتِ العلميَّةِ، وتطهيرِها من حمأَةِ «الكهنوتِ الوظيفيِّ» وشبكاتِ الولاءِ، والتَّكتُّلاتِ الضيِّقَةِ، والسُّقوفِ المصطنعَةِ التي تحبسُ الكفاءاتِ، وتقدِّمُ أَهلَ الطاعَةِ العمياءِ على أَهلِ العلمِ والبصيرَةِ.
وواجبُ العالمِ اليومَ أَن يستعيدَ المبادرَةَ القياديَّةَ للعلمِ، وأَن يكسرَ قيودَ العصبيَّاتِ الخفيَّةِ، وأَنْ ينزلَ العلمَ على الواقعِ بشجاعَةٍ وتجرُّدٍ، وأَن يكونَ جسرًا تعبرُ عليهِ الكفاءاتُ الصَّاعدَةُ، لا سقفًا زجاجيًّا تتحطَّمُ عندَهُ العزائمُ والعقولُ.
- فإمَّا أَنْ يكونَ العالمُ قائدًا للمساراتِ، ومبصِّرًا للأُمَّةِ، وصوتًا للحقِّ، وميزانًا للعَدْلِ.
- وإمَّا أَنْ يكونَ ذيلًا للأَحداثِ، شاهدًا على الخرابِ، صامتًا حينَ يجبُ البيانُ، متكلِّمًا حينَ لا ينفعُ الكلامُ.
وبينَ المقامينِ تُرسمُ خارطَةُ النَّجاةِ أَو الهلكةِ: فمَنْ وفَّى بميثاقِ العلمِ نجا وارتفعَ، ومَنْ خانَ الأَمانَةَ خسرَ مقامَهُ عندَ اللهِ، ثمَّ سقطَ من ذاكرَةِ التَّاريخِ وإنْ بقيَ اسمُهُ في السِّجلَّاتِ.
فاللَّهُمَّ! اجعلْ علماءَ الأُمَّةِ ربَّانيينَ صادقينَ، مفاتيحَ للخيرِ، مغاليقَ للشرِّ، لا يخافونَ فيكَ لومَةَ لائمٍ، ولا يبيعونَ أَمانَةَ البيانِ بعرضٍ منَ الدُّنيا، ولا يجعلونَ العلمَ سلَّمًا للجاهِ؛ بلْ محرابًا للحقِّ، وميزانًا للعَدْلِ، ونورًا للأُمَّةِ.
عبدالله بن عبدالحميد الأثري

