»ميثاقُ العالِمِ في المؤَسَّسَةِ: بينَ أَمانَةِ العلمِ وضغطِ الوظيفَةِ«..
أَخي المسلمَ الصَّادق اللَّبيب!
اعلمْ - رحمكَ اللهُ - أَنَّ هذا الميثاقَ هو «عهدٌ غليظٌ» ينبغي أَنْ تستقرَّ معانيهِ في صُدورِ المجالسِ العلميَّةِ، قبلَ أَنْ تُسطَّرَ في لوائحِها؛ ليكونَ ميزانًا فاصلًا بين العالمِ الربَّانيِّ الذي يحملُ أَمانَةَ البيانِ، وبين صاحبِ المنصبِ الذي يلبسُ جلبابَ العلمِ ولا ينهضُ بحقِّهِ.
ولكيْ تنهضَ المؤَسَّساتُ العلميَّةُ من حَمْأَةِ «الكهنوتِ الوظيفيِّ» وتتحرَّرَ من تغوُّلِ التَّكتُّلاتِ وشبكاتِ الولاءِ؛ وجبَ على كلِّ من تصدَّرَ فيها أَن يلتزِمَ بالعمَلِ بمُقتضى هذا الميثاقِ والأُصولِ الجامعَةِ؛ المستمدَّةُ من رُوحِ الشَّريعَةِ ومقاصدِها:
أَوَّلًا- مركزيَّةُ البيانِ، لا حِفظُ الكيان:
أَنْ يكونَ الـهدَفُ الأَسمَى والمقصدُ الأَعلى؛ هو «إبراءَ الذِّمَّةِ» ببيانِ الحقِّ، لا «تأْمينَ الموقِعِ» بتسويغِ الواقعِ؛ فمصلحَةُ الأُمَّةِ مقدَّمَةٌ على سلامَةِ المنصِبِ، وحقُّ البيانِ أَوجبُ من حساباتِ البقاءِ.
ثانيًا- منابذَةُ التَّحزُّبِ والشَّنآن:
أَن يُعامِلَ المخالفَ في الرَّأْي داخلَ المؤَسَّسةِ بميزانِ العلمِ والعَدْلِ، لا بمنطقِ الخصومَةِ والمصلحَةِ؛ وأَن يقفَ سدًّا منيعًا في وجهِ «التَّجمُّعاتِ الضَّيَّقَةِ» التي تعقدُ ولاءَها للأَشخاصِ لا للمنهجِ، وتدورُ مع المواقعِ لا مع الحقِّ.
ثالثًا- فتحُ الأَبوابِ للكفاءاتِ:
أَن يرى صاحِبُ المنصبِ نفسَهُ «جسرًا» تعبرُ عليهِ الكفاءاتُ الصَّاعدَةُ، لا «سقفًا» يحجبُ أَنوارَها خوفًا من مزاحمتِها؛ فالقائدُ الحقُّ من يصنعُ رجالًا، لا أَتباعًا، ويورثُ رسالةً لا منصبًا.
رابعًا- التَّواضُعُ لأَهلِ التَّخصُّصِ:
أَن يُقِرَّ العالمُ بأَن فهمَ الواقعِ لا يستقلُّ بهِ فردٌ؛ فينزلَ من «عُزلَةِ التَّنظير» إلى رحابَةِ الشُّورى، ويستشيرَ أَهلَ الخبرَةِ في السِّياسَةِ والاقتصادِ والاجتماعِ؛ حتى يكونَ تنزيلُ الحكمِ على الواقعِ تنزيلًا مسدَّدًا، بصيرًا بالمآلاتِ، بعيدًا عن العجلَةِ والارتجالِ.
خامسًا- الشَّجاعَةُ في النَّقدِ الذَّاتيِّ:
أَن تملكَ المؤَسَّسةُ الجرأَةَ على مراجعَةِ مواقفِها السَّابقَةِ إذا تبيَّنَ خطؤُها، وأَلَّا تجعلَ حفظَ الصُّورَةِ حاجزًا دونَ الإنصافِ؛ فالرُّجوعُ إلى الحقِّ رفعةٌ، والتَّمادي في «الخطاباتِ المعلَّبَةِ» مكابرةٌ تُسقطُ الهيبَةَ ولا تحفظُها، والاستمرارُ في «الخطاباتِ المعلَّبَةِ» عجزٌ عن أَداء أَمانَةِ البيان.
خاتمةُ البيانِ:
إنَّ العلمَ أَمانَةٌ، والولايَةَ العلميَّةَ تكليفٌ لا تشريفٌ؛ فمَن جعلَها متجرًا للوظيفَةِ خانَ الميثاقَ، ومَن جعلها محرابًا للبيانِ صدْقَ مع اللهِ تعالى، ونصحَ للأُمَّةِ، وأَدَّى حقَّ العلمِ كما ينبغي.
اللَّهُمَّ! اجعلِ العلمَ فينا أَمانةً لا تجارةً، والبيانَ شجاعةً لا مجاملةً، والقيادةَ تكليفًا لا تشريفًا، وطهِّرْ مؤَسَّساتِنا من الهوى والتَّحزُّبِ وحبِّ المناصبِ، وولِّ عليها أَهلَ العلمِ والعَدْلِ والأَمانَةِ.. آمين.
عبدالله بن عبدالحميد الأثري

