»طُغيانُ الكهنوتِ الوظيفيِّ: حينَ تبتلعُ التَّكتُّلاتُ رسالةَ المؤسَّساتِ العلميَّة«..
أَخي المسلمَ الصَّادق اللَّبيب!
اعلمْ - رحمكَ اللهُ - أَنَّ «التَّكتُّلاتِ الخفيَّةَ» وشبكاتِ الولاءِ والمصالحِ؛ هي الثقبُ الأَسودُ الذي يمتصُّ طاقةَ المؤسَّساتِ؛ فبدلًا من أَن تتنافسَ العقولُ في تجليةِ الحقِّ، تتنافسُ في تثبيتِ المكاسبِ، وبدلًا من أَن تكونَ المؤسسةُ ميدانًا للشُّورى والنَّصيحَةِ؛ تتحوَّلُ إلى ساحَةٍ للمناوراتِ والتَّحالفاتِ.
وتكمنُ خطورةُ هذا التَّحزُّبِ في ثلاثَةِ أُمورٍ قاتلَةٍ:
١- صناعَةُ «السَّقفِ الزُّجاجيِّ»:
تضعُ هذِهِ التَّجمُّعاتُ سقفًا خفيًّا لا يتجاوزُهُ إلَّا مَن دخلَ في «حظيرَةِ الولاءِ» لا مَن تميَّزَ في «ميدانِ العلمِ»؛ فتُقصى الكفاءاتُ، وتُحاصَرُ المواهبُ، ويُدفَعُ النابهونَ؛ إمَّا إلى الانكِفاءِ على أَنفسهِم، أَو إلى الهجرَةِ خارجِ هذِهِ المؤَسَّساتِ.
٢- تقديسُ «الأَقدميَّةِ» على حسابِ «الأَهليَّةِ»:
فيصيرُ المعيارُ: «كم بقيتَ في المنصَبِ؟» لا: «ماذا قدَّمَتَ للأُمَّةِ؟» وبذلكَ تُقتلُ روحُ التَّجديدِ، وتتحوَّلُ المؤَسسَةِ إلى مخزنٍ للأَفكارِ المعلَّبَةِ، تُكرِّرُ ذاتها، وتخشى كلَّ اجتهادٍ يحرِّكُ سكونَها.
٣- شَيْطَنَةُ المخالِفِ، وفسادُ ميزانِ العَدْلِ:
عندما يتحوَّلُ العملُ المؤَسسيُّ إلى «لوبياتٍ» يُصبِحُ كلُّ صاحبِ رأْيٍ جديدٍ «خصمًا» يُدفعُ، لا مجتهدًا يُسمعُ منهُ؛ فيغلبُ الشَّنآنُ على الإنصافِ، وتُقدَّمُ الخصومَةُ على العدلِ، وهذا من الفسادِ الذي حذَّرَ منهُ الشَّرعُ في قولهِ تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾.
وخلاصَةُ الأَمرِ:
أَنَّ التَّحزُّبَ داخلَ المؤَسَّساتِ العلميَّةِ ليسَ خللًا إداريًّا عابرًا؛ بلْ «مرضٌ عضالٌ» يلتهمُ روحَ الرِّسالَةِ، ويُفرغُ الشُّورى من معناها، ويحوَّلُ المنصبَ من أَمانَةٍ تُخدَمُ بها الأُمَّةُ إلى مكسبٍ يُحمى بالولاءاتِ والتَّحالفاتِ؛ فإذا اجتمعَ «الكهنوتُ الوظيفيُّ» مع التَّحزُّبِ والشَّنآنِ؛ ضعفتِ النزاهَةُ، واضطربَ القرارُ، وغابتِ الرِّسالةُ.
اللَّهُمَّ! طهِّرْ مؤَسَّساتِ المسلمينَ منَ الهوى والتَّحزُّبِ وحبِّ المناصبِ، وولِّ عليها أَهلَ العلمِ والأَمانَةِ والبصيرَةِ، واجعلْها قائمةً بالحقِّ، ناصحةً للأُمَّةِ، هاديةً إلى الرُّشدِ، لا تخافُ فيكَ لومةَ لائمٍ.. آمين.
عبدالله بن عبدالحميد الأثري

