»فقهُ التَّنزيلِ وأَزمَةُ المؤَسَّساتِ العلميَّةِ: رؤْيةٌ في التَّجديدِ والإصلاحِ«..
أَخي المسلمَ الصَّادق اللَّبيب!
اعلمْ - رحمكَ اللهُ - أَنَّ في مقدِّمَةِ العللِ التي أَقعدتِ المسلمينَ اليومَ في واقعهِمُ الاجتماعيِّ والسِّياسيِّ: ضعفَ المؤَسَّساتِ العلميَّةِ والهيئاتِ العُلمائيَّةِ في «فقهِ التَّنزيلِ» و«السِّياسَةِ الشَّرعيَّةِ».
إذْ ليسَ الخللُ دائمًا في أَصلِ العلمِ ومسائلِهِ؛ بلْ في العجزِ عن إِنزالِهِ على الوَاقِعِ؛ حيثُ يظهَرُ تردُّدٌ عندَ الحسمِ، وتأَخُّرٌ في البيانِ، وخشيَةٌ منَ التَّبعاتِ، وانفِصالٌ بينَ ما يُقرَّرُ في الدُّروسِ وما يحتاجُهُ النَّاسُ في النَّوازِلِ.
* عوائِقُ البيانِ ومنابعُ الخللِ:
أَوَّلًا- جُذورُ الأَزمَةِ ومنابعُ الخللِ:
تتلخَّصُ أَزمَةُ هذِهِ المؤَسَّساتِ في عِدَّةِ ركائِزَ طالها الوهَنُ:
١- تصدُّرُ أَنصافِ المتعلِّمينَ: الذينَ يقتحمونَ أَبوابَ الفتوَى والتَّقديرِ بغيرِ عُدَّةٍ؛ فيُشوِّشونَ على البيانِ الرَّاسخِ، ويُزاحمونَ أَهلَ الاختِصاصِ؛ ممَّا يُعمِّقُ الاضطِرابَ في وعي الأُمَّةِ.
٢- انكِسارُ القيادَةِ: وذلكَ حينَ تُسنَدُ الرِّئَاسَةَ إلى مَن ليْسوا لَها؛ فيقدَّمُ ضُعفاءُ العلمِ وقاصِرو الخبرَةِ ومَن لم تُصقلهُم التَّجارِبُ، ولم تُختبرْ قدرتُهم على القيادَةِ والتَّقديرِ؛ فإذا ضعُفَ رأْسُ المؤَسسَةِ، سرى ضعفُهُ في جسدِها؛ تردُّدًا في المواقفِ، واضطرابًا في التَّوجيهِ، وتعطيلًا لمصالحِ العبادِ.
٣- أَزمَةُ القيادَةِ الإداريَّةِ، وطُغيانُ «الكَهنوتِ الوظيفيِّ» والتَّحزُّبِ المقيتِ:
ثمُ يشتدُّ الخللُ حينَ تتغلَّبُ الاعتباراتُ الإداريَّةُ على المقاصِدِ العلميَّةِ؛ فينشأُ الخوفُ من فقدِ المنصِبِ، وتُقدَّمُ «السَّلامَةُ الوظيفيَّةُ» على «الجرأَةِ الشَّرعيَّةِ» ويُؤْثَرُ حفظُ المواقِعِ على بيانِ الحقِّ، وتتحوَّلُ الوظيفةُ من وسيلَةٍ لخدمَةِ الرِّسالةِ إلى غايةٍ يُضحَّى من أَجلِها بالحقِّ.
وعندئذٍ يغيبُ مبدأُ الشُّورى، وتظهرُ داخلَ المؤسَّساتِ «تكتلاتٌ» وتحالفاتٌ الخاصَّةُ؛ يُقدَّمُ فيها الولاءُ للمجموعَةِ والمنصَبِ على الولاءِ للحقِّ، وتُهدَرُ قيمُ النزاهَةِ العلميَّةِ لحسابِ المصالحِ الضيَّقةِ؛ فيضعفُ القرارُ، ويضطربُ التوجيهُ، وتفقدُ المؤسَّسةُ رسالتَها.
ثانيًا- مآلاتُ الفراغِ القيادِيِّ:
وحينَ تنسحِبُ القيادَةُ العلميَّةُ من ميدانِ التَّأْثيرِ؛ ينشأُ الفراغُ المخوفُ: فيتصدَّرُ غيرُ المؤَهَّلينَ، ويضطرِبُ النَّاسُ، وتتعدَّدُ المرجعياتُ، وتفقِدُ الدَّعوَةُ أَثرها القياديَّ، ويتحوَّلُ العلمُ من «موجِّهٍ للواقِعِ» إلى مجرَّدِ مُعلِّقٍ عليهِ؛ يلاحقُ الأَحداث بدلَ أَن يقودَها، ويجترُّ التَّبريراتِ بدلَ أَن صناعَةَ المساراتِ.
ثالثًا- طريقُ الإصلاحِ ومنهجُ التَّـجديدِ:
إِنَّ الإصلاحَ ليسَ في اندفاعٍ مُتهوِّرٍ، ولا في جُمودٍ مُتحفِّظٍ؛ بلْ يقومُ على ثلاثَةِ أَركانٍ:
١- تكريسُ العملِ المؤَسَّسيِّ: القائمِ على الشُّورى والتَّخصُّصِ، وتقديمِ الكفاءَةِ على الأَقدميَّةِ، والأَهليَّةِ على الاعتِباراتِ الإداريَّةِ.
٢- التَّكامُلُ مع أَهلِ الخبرَةِ، وجمعُ بينَ فقهِ النَّصِّ وفقهِ الواقِعِ: ففقهُ التَّنزيلِ لا يكتمِلُ إلَّا بمدِّ جسورِ التَّعاوُنِ مع المختصِّينَ في علومِ العصرِ؛ ليملكَ العالِمُ «تصوُّرَ الواقِعِ» كما يملكُ «الحكمَ الشَّرعيَّ».
٣- الاستِخلافُ وصناعَةُ الصَّفِّ الثَّاني: بتربيَةِ جيلٍ منَ القادَةِ الذينَ يجمعونَ بينَ جزالَةِ العلمِ وشجاعَةِ البيانِ، وتقديمِ «الأَمانَةِ العلميَّةِ» على «السَّلامَةِ الشَّخصيَّةِ».
فالعلمُ إنْ لم يُنزَّلْ ضاعَ نفعُهُ، والتَّنزيلُ إِنْ خلَا منَ العلمِ أَفسَدَ، والقيادَةُ إِنْ نزعَتْ جلبابَ الجُرأَةِ صارَتْ تبعًا لا متبُوعًا.
اللَّهُمَّ! أَصلِحْ مؤسَّساتِ المسلمينَ، وولِّ عليها خيارَ أَهلِ العلمِ والأَمانَةِ والكفاءَةِ، واجعلْ أَعمالَها خالصةً لوجهِك، قائمةً على الشُّورى والعَدْلِ والنزاهَةِ، واحفظْها منَ التَّحزُّبِ والهوى وحبِّ المناصبِ، واجعلْها مناراتِ هدايَةٍ ورشدٍ للأُمَّةِ.. آمين.
عبدالله بن عبدالحميد الأثري

