»التَّقيَّةُ« بينَ الرُّخصةِ الشَّرعيَّةِ والمناهِجِ المبتدعَةِ..
أَخي المسلمَ الصَّادق!
اعلمْ - سدَّدكَ اللهُ - أَنَّ التَّقيَّةَ بابٌ من أَبوابِ الرُّخصِ الشَّرعيَّةِ؛ دلَّ عليها الكتابُ والسُّنَّةُ في مواضِعهما، وليسَتْ أَصلًا يُبنى عليهِ الدِّينُ، ولا منهجًا دائمًا في التَّعامُلِ؛ بلْ هي استثناءٌ يُلجأُ إليهِ عند الإكراهِ والخوفِ المعتبَرِ، مع بقاءِ القلبِ مُطمئنًّا بالإيمانِ، والتِزامِ حُدودِ الشَّرعِ.
فالأَصلُ في المؤْمنِ الصِّدقُ والبيانُ والظُّهورُ بالحقِّ، وإنَّما تُشرعُ الرُّخصةُ عند العجزِ أَو الضَّررِ الذي لا يُدفَعُ إلَّا بها.
أَوَّلًا- تعريفُ التَّقيَّةِ:
هي أَن يُظهرَ المسلمُ خلافَ ما في باطنِهِ، أَو يكتُمَ بعضَ الحقِّ؛ دفعًا لضرَرٍ مُحقَّقٍ أَو غالبٍ على الظَّنِّ، عندَ العجزِ عن دفعِهِ بوسيلةٍ مشروعَةٍ أُخرى.وهي داخلَةٌ في بابِ الإكراهِ والرُّخصِ، لا في بابِ النِّفاقِ؛ لأَنَّ المنافقَ يُظهِرُ الإيمانَ ويُبطِنُ الكفرَ، أَمَّا المتَّقي فقدْ يُظهِرُ خلافَ ما في قلبِهِ دفعًا للظُّلمِ، مع بقاءِ الإيمانِ راسِخًا في فؤَادِهِ.
ثانيًا- أَصلُها منَ الكتابِ والسُّنَّةِ:
١- من أَشهرِ ما يُستدَلُّ بهِ قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿إلَّا مَنْ أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦].
وهذا أَصلٌ في عُذْرِ المكرَهِ إذا نطَقَ بما لا يعتقِدُهُ تحتَ وطأَةِ الإكراهِ.
٢- ومن ذلكَ قصَّةُ عمَّارِ بنِ ياسرٍ - رضي اللَّهُ عنهما - لمَّا نالَ منهُ المشركونَ حتى تكلَّمَ بما أَرادوا؛ فعذرَهُ النَّبيُّ ﷺ لمَّا علِمَ أَنَّ قلبَهُ ثابتٌ على الإيمانِ.
ثالثًا- حُكمُها الشَّرعيُّ:
التَّقيَّةُ ليسَتْ حُكمًا واحدًا؛ بلْ تدورُ مع المصالِحِ والمفاسِدِ:
١- الإباحةُ: إذا وُجِدَ الإكراهُ أَو الخوفُ المعتبَرُ.
٢- الوجوبُ: إذا كانَ في تركِها هلاكُ النَّفسِ، ولا مصلحَةَ شرعيَّةً راجحَةً في التَّضحيَةِ.
٣- التَّركُ أَفضلُ: لمَن قوي يقينُهُ واحتمَلَ الأَذى ليعزَّ الدِّينُ؛ كما وقعَ للإمامِ أَحمدَ بنِ حنبَلٍ في «المحنَةِ»؛ حيثُ رأَى أَنَّ الثَّباتَ أَصلَحُ للأُمَّةِ.
٤- التَّحريمُ: إذا كانتْ وسيلةً لإقرارِ باطلٍ، أَو ظُلمِ مسلمٍ، أَو أَكلِ مالٍ بالباطِلِ، أَو موالاةِ الكفَّارِ على المسلمينَ.
رابعًا- التَّقيَّةُ والمداراةُ والمداهنَةُ:
١- التَّقيَّةُ: رُخصَةٌ عندَ الخوفِ والإكراهِ.
٢- المداراةُ: لينُ الكلامِ وحُسنُ العشرَةِ لدفعِ الشَّرِّ بلطفٍ، وهي مشروعَةٌ.
٣- المداهنَةُ: تركُ الحقِّ أَو السُّكوتُ عن الباطِلِ طلبًا للدُّنيا، وهي مذمومَةٌ.
قيلَ في الأَثرِ: «المداراةُ صدقَةٌ، والمداهنَةُ معصيَةٌ».
خامسًا- ضوابطُ التَّقيَّةِ عندَ أَهلِ السُّنَّةِ والجماعة:
١- وجودُ سببٍ مُعتبَرٍ كإكراهٍ حقيقيٍّ.
٢- العجزُ عن دفعِ الضَّررِ بغيرِها.
٣- الاقتصارُ على قدْرِ الحاجَةِ؛ فالضَّرورَةُ تُقدَّرُ بقدْرِها.
٤- سلامَةُ القلبِ وثباتُهُ على الحقِّ.
٥- عدمُ تعدِّي ضررِها للغيرِ؛ فلا يجوزُ النَّجاةُ بإهلاكِ معصومٍ.
٦- زوالُها بزوالِ سببِها.
سادسًا- هلِ التَّقيَّةُ منهجٌ دائمٌ؟
الجوابُ: لا. منهجُ أَهلِ السُّنَّةِ قائمٌ على الصِّدقِ والبيانِ والنُّصحِ، أَمَّا التَّقيَّةُ فعارِضٌ استِثنائيٌّ، لا تُجعلُ أَصلًا عامًّا ولا ذريعةً للتَّلوُّنِ لأَجلِ الدُّنيا.
سابعًا- موقِفُ السَّلفِ الصَّالحِ:
كانوا - رحمهم الله - يُفرِّقونَ بينَ حالِ القدرَةِ (فيظهَرُ الحقُّ) وحالِ العجزِ (فيُرخَّصُ للمكرَهِ) وحالِ المصلحَةِ الرَّاجحَةِ (فيُصبَرُ على الأَذى).
الخاتمةُ: التَّقيَّةُ عندَ أَهلِ السُّنَّةِ رخصةٌ شرعيَّةٌ منضبطَةٌ، لا شعارًا عقديًّا ولا مسلكًا دائمًا.شُرعَتْ لحفظِ النُّفوسِ لا لِإخفاءِ الحقِّ دائمًا؛ فالمؤْمِنُ يعبُدُ اللَّهَ على بصيرَةٍ؛ يصدَعُ بالحقِّ إذا قدَرَ، ويترَخَّصُ إِذا أُكرِهَ، ويزِنُ أُمورَهُ بميزانِ الشَّرعِ لا بميزانِ الهوى.
اللَّهُمَّ! ارزُقنا الصِّدقَ في القولِ، والإخلاصَ في السِّرِّ والعلنِ، وأَعذْنا أَن نبيعَ دينَنا بدُنيانا، أَو نتلوَّنَ في دينكَ خوفًا أَو طمعًا، واجعَلْ سريرَتَنا خيرًا من علانيَتَنا، واجعَلْ علانيَتَنا صالحةً، وثبِّتنا على الأَثرِ حتَّى نلقاكَ.
عبدالله بن عبدالحميد الأثري

