تطبيقُ »فقهِ الاستِطاعَةِ« طالبُ العلمِ نموذجًا..

أَخي طالبَ العلمِ الصَّادقَ اللَّبيب!

اعلمْ - وفقكَ اللهُ - أَنَّ فقهَ الاستِطاعَةِ: هو محضُ «تنزيلٍ للفقْهِ على الواقِعِ» فليسَ هو «فقهَ الانسحابِ» كما يتوهَّمُ البعضُ؛ بل هو «فقهُ الاشتباكِ المقدُورِ عليهِ»؛ فإذا حاصرَ الاستضعافُ الأُمَّةَ، وقويَتْ شوكَةُ الخصومِ، وتملَّكَ العجزُ النُّفوسَ؛ برزَ «فقهُ الاستطاعَةِ» ليرسُمَ لطالبِ العلمِ خارطَةَ نُصرَةٍ ذكيَّةٍ ومُستَدامَةٍ، تقومُ على أَربعَةِ أَركانٍ:

١- استِطاعَةُ «البيانِ» عندَ عجزِ «السِّنانِ»:

المبدَأُ الأُصوليُّ: «الميسورُ لا يسقُطُ بالمعسورِ».

التَّطبيقُ: إذا عجزَتِ الأُمَّةُ عنِ التَّغييرِ المادِّيِّ؛ فإنَّ استطاعَةَ طالبِ العلمِ تتمحوَرُ في (حراسَةِ الوعي).

واستطاعتُهُ هنا هي: كشفُ زيفِ الشُّبُهاتِ، وتثبيتُ أُصولِ العقيدَةِ، وحمايَةُ المصطلَحاتِ الشَّرعيَّةِ من الذَّوبانِ؛ إنَّ تركَ هذا البيانِ بحجَّةِ «العجزِ عنِ الفعلِ»؛ هو تفريطٌ في المستطاعِ الذي سيُحاسَبُ عليهِ.

٢- استطاعَةُ «الإعدادِ» عندَ عجزِ «الاستردادِ»:

المبدَأُ الأُصوليُّ: «ما لا يُدرَكُ كلُّهُ لا يُتركُ جُلُّهُ».

التَّطبيقُ: قدْ لا يملكُ طالبُ العلمِ القدرَةَ على استردادِ مقدِراتِ الأُمَّةِ المسلوبَةِ آنيًّا؛ لكنَّهُ يملكُ استطاعَةَ (بناءِ الجيلِ القادرِ) استطاعتُهُ تتجلَّى في التَّفوُّقِ في تخصُّصِهِ (شرعيًّا كانَ أَو تقنيًّا أَو طبِّيًّا) لكسرِ التَّبعيَّةِ؛ فالمبدِعُ في محرابِهِ أَو مخبرِهِ هو ممارِسٌ لفقهِ الاستطاعةِ في ثغرِ الإعدادِ الحضاريِّ.

٣- استطاعَةُ «القُدوَةِ» عندَ عجزِ «القُوَّةِ»:

المبدَأُ الشَّرعيُّ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾.

التَّطبيقُ: في أَزمنَةِ التَّراجُعِ؛ تذبُلُ الـقُدواتُ وتكثُرُ الانتكاساتُ.استطاعَةُ طالبِ العلمِ هنا تركِّزُ على (الاستقامَةِ الشَّخصيَّةِ)؛ بأَنْ يكونَ نموذجًا في طُهرِ نفسِهِ، وصِدقِ لهجتِهِ، وأَمانتِهِ؛ إنَّ ثباتَكَ على المنهجِ في زمَنِ الميوعَةِ هو «فعلُ استطاعَةٍ» رصينٌ يرمُّ انكِسارَ النُّفوسِ من حولكَ.

٤- استطاعَةُ «التَّكافُلِ» عندَ عجزِ «التَّحوُّلِ»:

المبدَأُ الشَّرعيُّ: «الأَجرُ على قدرِ النَّصبِ والنِّيَّةِ».

التَّطبيقُ: قد لا يملكُ الفردُ تحويلَ مسارِ الأَحداثِ الكُبرى؛ لكنَّهُ يملكُ (مواساةَ المكلومِ أَو كفالَةَ اليتيمِ). استطاعتُكَ هي تفعيلُ العمَلِ الخيريِّ الفرديِّ والمؤَسَّسيِّ؛ فالدِّرهَمُ الذي تمدُّ بهِ يدكَ في ضيقِكَ هو قمَّةُ الصِّدقِ في بذلِ المستطاعِ.

الخُلاصَةُ المنهجيَّةُ لطلَّابِ العلمِ: إِنَّ الخللَ ليسَ في «قلَّةِ الاستطاعَةِ» بل في «تشتُّتِ الإرادَةِ» طالبُ العلمِ الأَريبُ هو مَن يحصُرُ جُهدَهُ فيما (يملكُ) فيُجوِّدَهُ، ولا يُهدِرُ طاقتَهُ في البُكاءِ على ما (لا يملكُ) فيتعطَّلَ.

إنَّ «فقهَ الاستطاعَةِ» هو الذي حوَّلَ (دار الأَرقَمِ) في مكَّةَ من بيتٍ مُستضعَفٍ إلى مُنطلَقٍ لدولَةٍ غيَّرتْ وجْهَ التَّاريخِ؛ لأَنَّهُم فعلوا «المستطاعَ» بصِدقٍ؛ ففتَحَ اللهُ لهُم «المستحيلَ» بتوفيقِهِ.

اللَّهُمَّ! ارزقْنا بصيرَةً في الدِّينِ، ونورًا في القُلوبِ، وصِدْقًا في القصدِ، وعدلًا في الحكمِ.

عبدالله بن عبدالحميد الأثري

Previous
Previous

»التَّقيَّةُ« بينَ الرُّخصةِ الشَّرعيَّةِ والمناهِجِ المبتدعَةِ..

Next
Next

عبوديَّةُ الأَصنامِ المعنويَّةِ: قراءَةٌ عقديَّةٌ في أَمراضِ »الأَنا« و»التَّعصُّبِ«..