عبوديَّةُ الأَصنامِ المعنويَّةِ: قراءَةٌ عقديَّةٌ في أَمراضِ »الأَنا« و»التَّعصُّبِ«..

أَخي طالبَ العلمِ الصَّادقَ اللَّبيب!

اعلمْ - رحمكَ اللهُ - أَنَّ مفهومَ «الأَصنامِ» في الشَّريعَةِ لا ينحصِرُ في القوالِبِ المادِّيَّةِ المنحوتَةِ؛ بلْ يمتَدُّ ليَشمَلَ كُلَّ ما «استرَقَّ» القلبَ، وحرَّفَ الولاءَ، وزاحَمَ محبَّةَ اللهِ وتعظيمَهُ.

وإنَّ أَخطرَ انحرافاتِ الأُمَّةِ اليومَ هيَ الانتِقالُ من «وثنيَّةِ الحجَرِ» إلى «وثنيَّةِ المعنى»:

أَوَّلًا- صورُ الوثنيَّةِ المعنويَّةِ (أَصنامُ العصرِ):

١- صنمُ «الأَنا» (تأْليهُ الهوى):

وهو أَن يكونَ محوَرُ التَّديُّنِ هو «ذاتُ الشَّخصِ»؛ فلا يقبَلُ منَ الحقِّ إلَّا ما وافَقَ مزاجَهُ، ولا ينصُرُ منَ الدِّينِ إِلَّا ما عظَّمَ صيتَهُ. هنا يصيرُ «رأْيُ الفردِ» هو المقدَّسَ الَّذي لا يُردُّ.

٢- صنمُ «مصلحَةِ الدَّعوَةِ» (تقديسُ الوسيلَةِ):

حينَ تتحوَّلُ «الجماعَةُ» أَو «المنظَّمَةُ» من وسيلَةٍ لخدمَةِ الدِّينِ إلى غايَةٍ في ذاتِها؛ فيُوالى ويُعادَى على مصلحتِها، وتُهدَرُ القيَمُ والأَحكامُ الشَّرعيَّةُ بحثًا عن تمكينِها؛ فيُعبَدُ «الذَّاتُ المؤَسَّسيُّ» من دُونِ اللهِ.

٣- صنَمُ «الرَّمزِ والعالِمِ» (الغُلُوُّ في البشرِ):

حينَ يُنزَّلُ الشَّيخُ أَو القائِدُ منزلَةَ مَن لا يُخطئُ؛ فتُهجَرُ النُّصوصُ لأَجلِ قولِهِ، ويُجعَلُ حبُّهُ وتعظيمُهُ شرطًا للإيمانِ؛ فهذا هو التَّأْليهُ المعنوِيُّ الَّذي حذَّرَ منهُ القُرآنُ.

٤- صنَمُ «المذهَبِ والطَّائفَةِ» (التَّعصُّبُ المقيتُ):

أَن يكونَ المذهَبُ هو معيارَ الحقِّ المطلَقِ؛ فيُعرَضُ القُرآنُ والسُّنَّةُ على أَقوالِ الرِّجالِ، فما وافَقَ المذهَبَ قُبِلَ، وما خالفَهُ أُوِّلَ أَو رُدَّ.

ثانيًا- الأَدلَّةُ الشَّرعيَّةُ على هذِهِ الآفَةِ:

* من القرآنِ الكريمِ:

- قولهُ تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: 23]؛ فسمَّى الهوى «إلهًا» لأَنَّ القلبَ انقادَ لهُ كما ينْقادُ للمعبودِ.

- قولهُ تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التَّوبة: 31]؛ وقد فسَّرها النَّبيُّ ﷺ باتِّباعهِمْ في تحليلِ الحرامِ وتحريمِ الحلالِ، وهذا جوهرُ الصَّنميَّةِ المعنويَّةِ.

* من السُّنَّةِ النَّبويَّةِ:

قولهُ ﷺ: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ...»؛ فأَثبَتَ صفَةَ «العبوديَّةِ» لمَنْ تعلَّقَ قلبُهُ بمتاعٍ دنيَويٍّ زائِلٍ.

ثالثًا- آثارُ الارتهانِ للأَصنامِ المعنويَّةِ:

١- تمزيقُ وحدَةِ الأُمَّةِ: لأَنَّ كلَّ طائفَةٍ تعبُدُ صنمَها المعنويَّ الخاصَّ (مذهبَها، أَناها، قائدَها).

٢- طمسُ البصيرَةِ: الحكمُ على الأَشياءِ لا يكونُ بقُوَّةِ الدَّليلِ؛ بل بمدَى موافقتِها لـ «الصَّنمِ المعنويِّ».

٣- إحباطُ العملِ: لأَنَّ الإخلاصَ ينتفي حينَ يكونُ المحرِّكُ هو انتصارُ «الحزبِ» أَو «الأَنا» لا إعلاءُ كلمَةِ اللهِ.

خُلاصَةُ التَّأْصيلِ: التَّوحيدُ الخالصُ هو «تحريرُ القلبِ» من كلِّ سلطَةٍ سوى سُلطَةِ الوحي.وإنَّ تقديسَ الأَشخاصِ أَو الهيئاتِ أَو الذَّاتِ هو خدشٌ في أَصلِ العقيدَةِ؛ فما كانَ للهِ دامَ واتَّصلَ، وما كانَ للأَصنامِ المعنويَّةِ انقطَعَ وانفصَلَ.

اللَّهُمَّ! طهِّرْ قلوبَنا من كلِّ صنمٍ خفيٍّ: من هوًى يُطاعُ، أَو نفسٍ تُعظَّمُ، أَو تعصُّبٍ يُعمَى، واجعَلْ حبَّكَ أَعظَمَ في قلوبِنا من كلِّ محبوبٍ، وأَمركَ أَقدَمَ عندَنا من كلِّ أَمرٍ.

عبدالله بن عبدالحميد الأثري

Previous
Previous

تطبيقُ »فقهِ الاستِطاعَةِ« طالبُ العلمِ نموذجًا..

Next
Next

ميزانُ الصِّدْقِ: عِمادُ الدِّينِ وسِرُّ النَّجاةِ..