»وَليُّ الأَمْرِ« في ميزانِ الشَّرْعِ: بينَ طاعَةِ المعروفِ وعَزْلِ المُداهنَةِ..

أَخي طالبَ العلمِ اللَّبيب!

اعلمْ - وفَّقكَ اللهُ للعلمِ والعَدْلِ والبصيرَةِ - أَنَّ بابَ - «وَليِّ الأَمْرِ» من أَدقِّ أَبوابِ «السِّياسَةِ الشَّرعيَّةِ»؛ لأَنَّهُ يتعلَّقُ بحفظِ الدِّينِ، واجتماعِ الكلمَةِ، وصيانَةِ الدِّماءِ، ودَفعِ الفِتنِ، ورِعايَةِ مصالحِ العبادِ.

وقدْ زلَّتْ فيهِ طوائِفُ بينَ طرفينِ مذمومينِ:

- طرفِ الغُلُوِّ والتَّهييجِ: والخروجِ بغيرِ علمٍ ولا قُدْرَةٍ.

- طرفِ المداهنَةِ والتَّلبيسِ: الذي يجعَلُ الطَّاعَةَ الشَّرعيَّةَ سِتارًا لتعطيلِ شرعِ اللهِ تعالى!

= والمنهجُ الحقُّ وسطٌ بينَ الجفاءِ والغُلُوِّ، وهو منهجُ «أَهلِ السَّنَّةِ والجماعَةِ المحضِ» الموافقُ لسبيلِ القُرونِ الثَّلاثَةِ الأُولى المزكَّاةِ، وما قرَّرَهُ أَئمَّةُ الإسلامِ الأَعلامُ: طاعَةٌ في المعروفِ لا في المعصيَةِ، ونصيحَةٌ بِلا تهييجٍ، وصبرٌ بِلا مُداهنَةٍ، وإنكارٌ بِلا فوضى، وتعظيمٌ للشَّرعِ بِلا تقديسٍ للأَشخاصِ.

أَوَّلًا- الحقيقَةُ الاصطلاحيَّةُ والصِّفاتُ المشروطَةُ:

معنى «وَليِّ الأَمْرِ»: هو مَن ثبتَتْ لهُ وِلايَةٌ عامَّةٌ على المسلمينَ، وكانَتْ لهُ شوكَةٌ وسُلطَانٌ تنتظِمُ بهما مصالِحُ النَّاسِ؛ فيتولَّى سياسَةَ شؤُونِهم، وحفظَ دينهِمْ وأَمنِهِم، على مقتضَى الشَّرْعِ.

 وليسَ هو مجرَّدَ صاحِبِ سلطَةٍ أَو غلبةٍ؛ بلِ الأَصلُ فيهِ أَن تكونَ ولايتُهُ قائمَةً على «حفظِ الدِّينِ وسياسَةِ الدُّنيا بهِ» لا على مُحاربَةِ الدِّينِ أَو تعطيلِ الشَّريعَةِ، وأَصلُهُ قولُهُ تعالى: 

﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾.

* مدارُ الصِّفاتِ (القُوَّةُ والأَمانَةُ):

ينبغي في «وَليِّ الأَمْرِ» أَن يكونَ مسلمًا، مُعظِّمًا للشَّريعَةِ، قائمًا بالعَدْلِ؛ فأَصلُ الولايَةِ يدورُ على وصفينِ عظيمينِ كما في التَّْزيلِ: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأَمِينُ﴾؛ فلا تصلُحُ الولايَةُ بضعفٍ يُضيِّعُ المصالِحَ، ولا بقوَّةٍ بِلا أَمانَةٍ تتحوَّلُ إِلى ظُلمٍ واستِبدادٍ.

ثانيًا- الميثاقُ المتبادَلُ (الواجباتُ والحقوقُ):

١- واجباتُ الوَليِّ: 

الولايَةُ في الإسلامِ «أَمانَةٌ لا غنيمَةٌ، وتكليفٌ لا تشريفٌ»؛ وأَعظَمُ واجباتِهِ: حفظُ الدِّينِ، وإقامَةُ العَدْلِ، ورفعُ الظُّلمِ. ومَن تولَّى أَمرَ النَّاسِ ثمَّ غشَّهُم أَو استعمَلَ سلطانَهُ لِإذلالهِم؛ فقدْ عرَّضَ نفسَهُ لوعيدٍ عظيمٍ، كما في دُعاءِ النَّبيِّ ﷺ: «اللَّهُمَّ! مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ؛ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ».

٢- حقوقُهُ على الرَّعيَّةِ:

 لوليِّ الأَمرِ المسلمِ الذي لهُ أَصلُ ولايَةٍ مُعتبرَةٍ: السَّمعُ والطَّاعَةُ في المعروفِ، والنَّصيحَةُ الصَّادقَةُ، وتركُ الخروجِ عليهِ لمجرَّدِ الجورِ إذا كانَ الخروجُ يُفضي إلى شرٍّ أَعظمَ؛ لكنَّ هذِهِ الحقوقَ ليسَتْ مُطلقَةً؛ بلْ منبَتها الأَصلُ النَّبويُّ الجامِعُ: «إِنَّما الطَّاعَةُ في المَعْرُوفِ» و«لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الخَالِقِ».

ثالثًا- تحقيقُ المناطِ وعزْلُ التَّعطيلِ:

الطَّاعَةُ ليسَتْ عبوديَّةً: الطَّاعَةُ الشَّرعيَّةُ ليسَتْ تفويضًا للحاكِمِ أَنْ يُحِلَّ ويُحرِّمَ؛ فإذا أَمرَ الحاكِمُ بمعصيَةٍ، أَو منعَ واجبًا، أَو حارَبَ شعيرَةً؛ فلا طاعَةَ لهُ في ذلكَ الباطِلِ مُطلقًا.

١- مَن عطَّلَ الشَّرعَ لم تُعْطَ لهُ طاعَةٌ مُطلقَةٌ:

 إذا كانَ الشَّرعُ قدْ قرَّرَ أَنَّهُ لا طاعَةَ في معصيَةٍ واحدَةٍ؛ فكيفَ يُجعَلُ للحاكمِ طاعَةٌ شرعيَّةٌ في تعطيلِ أَصلِ الشَّريعَةِ، أَو الحُكمِ بغيرِ ما أَنزلَ اللهُ استِحلالًا وتفضيلًا؟ فمَن جعلَ سُلطانَهُ حربًا على الدِّينِ لا يجوزُ أَن تُنزَّلَ عليهِ نصوصُ طاعَةِ «الإمامِ المسلمِ» تنزيلًا مُطلقًا.

٢- مُراعاةُ السُّلطَانِ الواقعيِّ:

 مع رفضِ الباطِلِ، لا يفتَحُ بابُ الفوضى؛ بلْ يُفرَّقُ بينَ (الطَّاعَةِ الدِّينيَّةِ الشَّرعيَّةِ) وبينَ (مُراعاةِ السُّلطانِ الواقِعِ في أُمُورِ النِّظَامِ العامِّ) كتنظيمِ المصالحِ المحضَةِ؛ دفعًا للفوضَى وحفظًا للأَمنِ.

فالرَّفضُ لا يعني الفوضَى، كما أَنَّ المداراةَ لا تعني التَّزكيَةَ.

٣- سياقُ كلامِ السَّلفِ:

 نصوصُ السَّلفِ في الصَّبرِ على الجورِ؛ كانَتْ في حقِّ أَئمَّةِ المسلمينَ حينَ كانَتِ الدَّولَةُ في الجُملَةِ دولَةَ إسلامٍ (كأُمويِّينَ وعبَّاسيِّينَ) فمن الخطأِ الجسيمِ أَخذُ تلكَ النُّصوصِ وتنزيلُها على كلِّ سلطانٍ يقصي الشَّريعَةَ أَو يُظاهِرُ الأَعداءَ؛ فالفرقُ كبيرٌ بينَ «إمامٍ مسلمٍ جائِرٍ» يُصبَرُ عليهِ، وبينَ «سُلطانٍ قائمٍ على تعطيلِ الملَّةِ».

رابعًا- ضوابِطُ النَّصيحَةِ ومقامُ أَهلِ الحلِّ والعقدِ:

١- النَّصيحَةُ الشَّرعيَّةُ لا التَّهييجُ:

كما في الحديثِ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ... ولأَئمَّةِ المُسْلِمِينَ»؛ لكنَّها ليسَتْ تشهيرًا بِلا مصلحَةٍ، بلْ كلمَةُ حقٍّ تُقالُ بعلمٍ وحكمَةٍ. والميزانُ: (العِلمُ، والعَدْلُ، والقُدْرَةُ، وفقهُ المآلاتِ).

٢- أَهلُ الحلِّ والعقدِ: 

هم أَهلُ العلمِ والرَّأْيِ والشَّوكَةِ؛ الذينَ يُرجَعُ إليهم في النَّوازِلِ الكُبرى لتقديرِ المصالحِ، وليسَ كلُّ مشهُورٍ أَو صاحِبِ منصَبٍ منهُم!

فالنَّوازِلُ لا تُتركُ لغضَبِ الشَّوارعِ، ولا لمدائِحِ القصورِ؛ بلْ تُردُّ لأَهلِ البصيرَةِ.

* خاتمَةُ الميزانِ والخُلاصَةُ الجامعَةُ:

يا طالِبَ الحقِّ! احفظْ هذا الميزانَ النَّفيسَ:

١- نحنُ عبيدٌ للهِ، لا عبيدٌ للحُكَّامِ.

٢- نُطيعُ في المعروفِ، ولا نُطيعُ في المعصيَةِ.

٣- ننصَحُ ولا نُداهِنُ.. نصبِرُ ولا نرضَى بالباطِلِ.

٤- نُنكِرُ ولا نُفسِدُ.. نحفَظُ الجماعَةَ ولا نُقدِّسُ الأَشخاصَ.

٥- نُفرِّقُ بينَ الإمامِ المسلمِ الجائِرِ، وبينَ مَن جعَلَ سُلطانَهُ حربًا على الإسلامِ.

٦- ونرُدُّ النَّوازِلَ إلى أَهلِ العلمِ والبصيرَةِ، لا إلى الغُلاةِ ولا إلى المُداهنينَ.

اللَّهُمَّ! ارزُقْنا علمًا يضبِطُ الغيرَةَ، وبصيرَةً تمنَعُ الفِتنَةَ، وشجاعَةً تمنَعُ المداهنَةَ، واجعَلنا من أَهلِ الحقِّ الذينَ لا يبيعونَ دينهُم لسُلطَانٍ، ولا يفتحونَ على أُمَّتهِم أَبوابَ الفوضَى باسمِ الإصلاحِ.. آمِين!

عبدالله بن عبدالحميد الأثري

Previous
Previous

تحريرُ المقالِ في فقهِ «الخوفِ»: تعريفُهُ، أَنواعُهُ، وأَحكامُهُ..

Next
Next

»دِرَّةُ عمرَ«: ميزانُ الهيبَةِ وسُلطانُ العَدْلِ..