تحريرُ المقالِ في فقهِ «الخوفِ»: تعريفُهُ، أَنواعُهُ، وأَحكامُهُ..

اعلمْ - رحمكَ اللهُ - أَنَّ الخوفَ من المعاني الفطريَّةِ العظيمَةِ التي جُبلتْ عليها النُّفوسُ، وهو في أَصلِهِ «انزعاجٌ قلبيٌّ» يدفَعُ الإنسانَ إلى طلبِ السَّلامَةِ ودَرْءِ المضرَّةِ.

غيرَ أَنَّ الشَّرعَ المطهَّرَ لم يتركْ هذا الشُّعورَ مضطربًا بِلا ضابطٍ، بل هذَّبَهُ ووجَّهَهُ؛ فجعَلَ منهُ ما هو عبادَةٌ وقُربَةٌ (وهو خوفُ الإجلالِ) ومنهُ ما هو جائِزٌ تقتضيهِ طبيعَةُ البشرِ (وهو الخوفُ الطَّبيعيُّ) ومنهُ ما يكونُ محرَّمًا أَو شركًا إذا صرفَ العبدَ عن حقِّ اللهِ، أَو تعلَّقَ فيهِ بغيرِ اللهِ تعلُّقًا يُنافي كمالَ التَّوحيدِ أَو أَصلَهُ.

أَوَّلًا- التَّعريفُ (تحريرُ المصطلَحِ):

- لغةً: هو انزعاجُ القلبِ واضطرابُهُ من توقُّعِ مكرُوهٍ.

- اصطلاحًا: فرقُ القلبِ من سطوَةِ المخوفِ، أَو هو «توقُّعُ عقوبَةِ اللهِ على معصيتِهِ».

الفرقُ الدَّقيقُ: يتميَّزُ الخوفُ عن الخشيَةِ؛ بأَنَّ الخشيَةَ خوفٌ مقرونٌ بعلمٍ بمنزلَةِ المخوفِ (لذا خصَّ بها العلماءُ) بينَما الخوفُ قد يكونُ من ضعفِ الخائفِ وإن لم يعلَمْ عظمَةَ المخوفِ حقَّ اليقينِ.

ثانيًا- أَنواعُ الخوفِ (تحقيقُ المناطِ):

ينقسمُ الخوفُ من حيثُ «المتعلِّقِ» إلى أَربعَةِ أَقسامٍ منهجيَّةٍ:

١- خوفُ العبادَةِ (خوفُ السِّرِّ): وهو التَّعبُّدُ بالخوفِ من صاحبِ القدرَةِ المطلقَةِ - اللهُ سبحانَهُ - بحيثُ يعتقِدُ الخائفُ أَنَّ المخوفَ يملكُ الضَّرَّ والنَّفعَ بإرادتِهِ المستقلَّةِ.

٢- الخوفُ الطَّبيعيُّ (الجبلِّيُّ): وهو الذي يجدُهُ الإنسانُ من سبعٍ، أَو نارٍ، أَو غرقٍ؛ وهذا لا يُذمُّ صاحبُهُ، وقد وقعَ من أَنبياءِ اللهِ - عليهم السَّلام - كما قال تعالى عن موسى: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾.

٣- الخوفُ المحرَّمُ (خوفُ المداهنَةِ): وهو أَنْ يتركَ الإنسانُ ما وجبَ عليهِ من دينِ اللهِ خوفًا من طعنِ النَّاسِ، أَو أَذاهُم، أَو فقدِ منصبٍ؛ وهو الذي نزلَ فيهِ قولُهُ تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ واخْشَوْنِ﴾.

٤- الخوفُ الوهميُّ: وهو الخوفُ الذي لا سببَ لهُ، أَو لهُ سببٌ ضعيفٌ جدًّا، وهذا نوعٌ من الجبنِ المذمومِ الذي يعوقُ عن المعالي.

ثالثًا- أَحكامُ الخوفِ (التَّكليفُ الشَّرعيُّ):

يدورُ حكمُ الخوفِ مع المصلحَةِ والمفسدَةِ على النحو الآتي:

١- الواجبُ: ما حجزكَ عن محارمِ اللهِ؛ فما زادَ عن هذا الحدِّ بحيثُ يؤَدِّي إلى اليأْسِ؛ فهو مذمومٌ.

٢- المستحبُّ: ما دفعكَ إلى التَّرقِّي في مقاماتِ «الإحسانِ» والمسارعَةِ في الطَّاعاتِ الظَّاهرَةِ والباطنَةِ.

٣- الشِّركُ الأَكبرُ: إذا كانَ «خوفَ سرٍّ» لغيرِ اللهِ؛ بأَن يخافَ من طاغوتٍ أَو صنَمٍ معنويٍّ أَن يصيبَهُ بمكروهٍ بقُدرتِهِ الخفيَّةِ.

رابعًا- الخوفُ في بابِ «تحطيمِ الأَصنامِ»:

إِنَّ أَخطرَ مناطاتِ الخوفِ في زمانِنا هو «خوفُ الرَّمزِ»؛ حيثُ يخشى مسلمُ أَنْ يصدعَ بالحقِّ خوفًا من سقوطِ مكانتِهِ عندَ جماعتِهِ، أَو خوفًا من تصنيفِهِ المنهجيِّ؛ هذا الخوفُ يتحوَّلُ تدريجيًّا إلى «صنَمٍ قلبيٍّ» يُقدَّمُ فيهِ رضا الخلقِ على أَمرِ الحقِّ.

الخُلاصَةُ: الخوفُ «سَوْطُ اللهِ» الذي يسوقُ بهِ العبادَ إلى الاستقامَةِ؛ فإذا انقلبَ السَّوْطُ إلى «قيدٍ» يمنَعُ من الحقِّ، أَو إلى «إِلهٍ» يُعبَدُ من دونِ اللهِ (بتقدِيمِ هيبَةِ الخلقِ على خشيَةِ الخالقِ) فقدْ نُقِضَ أَصلُ التَّوحيدِ أَو كمالُهُ.

اللَّهُمَّ! يا مَن لا يُخافُ إلَّا عدلُهُ، ولا يُرجى إلَّا فضلُهُ؛ اجعلْ خوفَنا منكَ قائدًا إليكَ، وحجابًا عن معصيتِكَ.

اللَّهُمَّ! طهِّرْ قلوبَنا من أَصنامِ الأَهواءِ، ونقِّ سرائِرنا من ربقَةِ التَّبعيَّةِ لغيرِ وحيكَ.

عبدالله بن عبدالحميد الأثري

Previous
Previous

»تأْصيلُ مَراحِلِ الدَّعوةِ بينَ الاستضعافِ والتَّمكينِ«..

Next
Next

»وَليُّ الأَمْرِ« في ميزانِ الشَّرْعِ: بينَ طاعَةِ المعروفِ وعَزْلِ المُداهنَةِ..