»تأْصيلُ مَراحِلِ الدَّعوةِ بينَ الاستضعافِ والتَّمكينِ«..
أَخي الدَّاعيَةَ اللَّبيبَ المستَبصرَ!
اعلمْ - وفَّقكَ اللهُ وسدَّدكَ - أَنَّ معرفةَ أَحوالِ رَسُولِ الله ﷺ وأَصحابِهِ الكرامِ - رضي الله عنهم - في مراحلِ الاستضعافِ والتَّمكينِ بابٌ عظيمٌ من أَبوابِ الفقهِ والبصيرَةِ في الدَّعوةِ؛ إذ دلَّتْ سيرتُهُ ﷺ على أَنَّ الأَحكامَ العمليَّةَ في مواجهةِ الأَذى والعدوانِ ليسَتْ جامدةً على صورَةٍ واحدَةٍ في كلِّ حالٍ؛ بل تختلفُ باختلافِ القدرَةِ والعجزِ، والقوَّةِ والضَّعفِ، والمصلحَةِ والمفسدَةِ، ومآلاتِ الفعلِ والتَّركِ.
وقدْ قرَّر أَهلُ العلمِ؛ أَنَّ حالَ النَّبيِّ ﷺ وأَصحابِهِ في هذا البابِ مرَّتْ بثلاثِ مراحلَ كبرى:
المرحلةُ الأُولى؛ ما قبلَ «غزوةِ بدرٍ»:
أَمرَ المسلمونَ فيها بالصَّبرِ على أَذى المنافقينَ والمشركينَ وأَهلِ الكتابِ، وبالعفوِ والصَّفحِ عنهم، وإن جهروا بالأَذى؛ لأَنَّ إقامةَ الحدودِ والعقوباتِ عليهم آنذاكَ كانتْ تفضي إلى فتنَةٍ عظيمَةٍ، ومفسدَةٍ أَرْبى من مفسدَةِ الصَّبرِ على كلماتِهم وأَذاهم؛ فكانَ المقصودُ في هذهِ المرحلَةِ: حفظَ الجماعَةِ المؤمنَةِ الناشئَةِ، وتثبيتَها على الحقِّ، ودفعَ الفتنَةِ الكُبرى التي لا تطيقُها في حالِ الاستضعافِ.
المرحلةُ الثَّانيَةُ؛ «بعدَ بدرٍ وقبلَ نزولِ براءَةَ»:
وفيها أَمرَ المسلمونَ بالإمساكِ عمَّن سالمَهم، أَو كفَّ أَذاه الظاهرَ عنهم، معَ الصَّبرِ على أَذيَّةِ المنافقينَ التي كانتْ تقعُ في السِّرِّ، أَو كانَ إظهارُ العقوبَةِ فيها يفضي إلى مفسدَةٍ أَعظمَ.
وفي هذِهِ المرحلَةِ جاءَ التَّعامُلُ الحازمُ معَ من جاهرَ بالأَذى والعدوانِ ونقضِ العهدِ؛ كما وقعَ في شأْنِ كعبِ بنِ الأَشرفِ ونحوِهِ ممَّن آذى اللهَ ورسولَهُ ﷺ وحرَّضَ على المسلمينَ؛ فكانَ في ذلكَ كسرٌ لاستطالةِ اليهودِ، وإرهابٌ لمن رامَ العدوانَ بعدَ أَن تبدَّلَ ميزانُ القوَّةِ عقبَ بدرٍ.
المرحلةُ الثَّالثَةُ؛ «بعدَ براءةَ وغزوةِ تبوكٍ»:
وفيها أَمرَ النَّبيُّ ﷺ بالإغلاظِ على الكفَّارِ والمنافقينَ، وبقتالِ الكفَّارِ على ما فصَّلتهُ أَحكامُ الشَّريعَةِ؛ فالمشركونَ يقاتَلونَ حتى يسلموا، وأَهلُ الكتابِ يقاتَلونَ حتى يعطوا الجزيةَ عن يدٍ وهم صاغرونَ، معَ رعايةِ ما قرَّرتهُ الشَّريعَةُ في أَبوابِ العهودِ والمواثيقِ.
فمَن كانَ لهُ عهدٌ مؤقَّتٌ ولم ينقضْهُ، أَتمَّ لهُ عهدُهُ إلى مدَّتِهِ، ومَن كانَ لهُ عهدٌ مطلقٌ نبذَ إليهِ عهدُهُ على سواءٍ؛ حتى لا يكونَ في الأَمرِ غدرٌ ولا خيانةٌ.
وبعدَ تبوكٍ ظهرَ الإسلامُ، وعزَّ المؤمنونَ، وانكسرَ ظهورُ المنافقينَ؛ فلم يعودوا يجرؤونَ على إظهارِ الأَذى كما كانوا يفعلونَ من قبلُ؛ بل أَضمروا نفاقَهم، وماتَ كثيرٌ منهم بغيظِهم، وبقيتْ بقيَّةٌ يعرفُهم «صاحبُ السِّرِّ» حذيفةُ بنُ اليمانِ - رضيَ اللهُ عنهُ -؛ فكانَ لا يصلِّي عليهم، وكانَ عمرُ بنُ الخطَّابِ - رضيَ اللهُ عنهُ - يتفطَّنُ لذلكَ؛ فينظرُ إلى صنيعِ حذيفةَ في شأْنِهم.
الميزانُ الشَّرعيُّ للواقعِ: «القاعدَةُ المستمرَّةُ»:
وهذِهِ المراحلُ ليسَتْ مجرَّدَ وقائعَ تاريخيَّةٍ تروى؛ بلْ هي أَصلٌ منهجيٌّ في «فقهِ تنزيلِ الأَحكامِ على الوقائعِ»؛ إذ تدلُّ على أَنَّ الشَّريعةَ تراعي اختلافَ الأَحوالِ بينَ الاستضعافِ والتمكينِ، والقدرَةِ والعجزِ، والقوَّةِ والضَّعفِ.
* فالأَحكامُ هنا منوطةٌ بعللِها ومناطاتِها، لا بالأَمانيِّ والحماساتِ المجرَّدةِ.:
١- حالُ الاستضعافِ: فمَن كانَ من المؤمنينَ في أَرضٍ هو فيها مستضعفٌ، أَو في زمنٍ لا يملكُ فيهِ نصرَةَ اللهِ ورسولِهِ بيدِهِ، ولا يقدرُ على دفعِ الأَذى دفعًا مأْمونَ العاقبةِ؛ فليعملْ بآياتِ الصَّبرِ والصَّفحِ والكفِّ، وليأْخذْ بقولِهِ تعالى: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ ولينتصرْ بما يقدرُ عليهِ من الثَّباتِ، وإنكارِ القلبِ، والبيانِ الممكنِ، وحفظِ جماعَةِ المسلمينَ من فتنَةٍ أَعظمَ.
٢- حالُ القوَّةِ والتمكينِ: ومَن كانَ في حالِ قوَّةٍ وقدرَةٍ، يقدرُ فيها على نصرِ دينِ اللهِ بيدِهِ أَو لسانِهِ، من غيرِ أَن تترتَّبَ على فعلِهِ مفسدةٌ أَرجحُ من مصلحتِهِ؛ فإنَّهُ يخاطَبُ بما يناسبُ حالَه من آياتِ الجهادِ، والإغلاظِ على أَهلِ الكفرِ والنِّفاقِ، وإقامَةِ الحقِّ بحسبِ القدرَةِ والمصلحَةِ الشَّرعيَّةِ.
الخلاصَةُ المنهجيَّةُ: حيثما كانَ للمنافقِ ظهورٌ يخشى معَ إقامَةِ الحدِّ عليهِ فتنةٌ أَكبرُ من مفسدَةِ تركِهِ؛ عملَ بآيةِ: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾.
وحيثما عجزَ المسلمونَ عن جهادِ الكفَّارِ، أَو كانَ فعلُهم يفضي إلى مفسدَةٍ أَرجحَ؛ عملَ بآياتِ الكفِّ والصَّفحِ والصَّبرِ.وحيثما حصلتِ القوَّةُ والعزَّةُ والقدرَةُ، وانتفتِ المفسدَةُ الراجحَةُ؛ كانَ الخطابُ بما يناسبُ ذلكَ من قولِهِ تعالى: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾.
فليسَ الفقهُ أَن تنزَّلَ أَحكامُ التمكينِ على حالِ الاستضعافِ، ولا أَن تجعلَ أَحكامُ العجزِ ذريعةً إلى تعطيلِ واجباتِ القدرةِ؛ بل الفقهُ أَن يعرفَ الحكمُ بدليلِهِ، وأَن ينزَّلَ على محلِّهِ، وأَن تراعى في ذلكَ القدرَةُ والمصلحَةُ والمآلُ.
فالشريعَةُ لا تكلِّفُ العاجِزَ تكليفَ القادرِ، ولا تلزمُ المستضعفَ بما يلزمُ بهِ المتمكِّنُ، ولا تجعلُ الحماسةَ بدلًا من الحكمةِ، ولا الشِّعاراتِ عوضًا عن فقهِ المآلاتِ.
عبدالله بن عبدالحميد الأثري

