»فتنَةُ نِصْفِ العلمِ« بينَ غُلُوِّ الـحُكْمِ وفقهِ التَّنزيلِ..

أَخي طالبَ العلمِ الصَّادقَ اللَّبيب!

اعلمْ - رحمكَ اللَّهُ - أَنَّ من أَخطرِ ما يُفسِدُ الدَّعوَةَ، ويُفرِّقُ الصَّفَّ، ويُسقِطُ هيبَةَ العلمِ في القلوبِ: أَن يتكلَّمَ المرءُ في دينِ اللَّهِ بـ «نصفِ علمٍ» ويُنزِّلَ النُّصوصَ على النَّاسِ بـ «نصفِ فهمٍ»؛ ثمَّ يظنَّ أَنَّ شدَّتَهُ غيرَةٌ، وأَنَّ عجلتَهُ نُصرَةٌ، وأَنَّ إطلاقَهُ للأَحكامِ تحقيقٌ لمنهجِ أَهلِ السُّنَّةِ والحماعَةِ!

هذِهِ آفةٌ قديمَةٌ تتجدَّدُ؛ فإنَّ صاحِبَ نصفِ العلمِ قدْ يحفَظُ النَّصَّ ولا يعرِفُ «محلَّهُ» ويقرَأُ كلامَ العلماءِ ولا يعي «سياقَهُ» فيعلَمُ الحكمَ العامَّ لكنَّهُ لا يُحسِنُ تنزيلَهُ على الأَعيانِ والوقائِعِ والمآلاتِ.

أَوَّلًا- مزلَقُ الإسقاطِ الآليِّ للأَحكامِ:

يأْخُذُ بعضُ النَّاسِ قولَ إمامٍ منَ الأَئمَّةِ: (مَن قالَ كذا؛ فقدْ كفرَ!) أَو (مَن فعلَ كذا؛ فهو مُبتدِعٌ!» ثم يجعلُهُ «معادلَةً جامدَةً» يُسقطُها على كلِّ شخصٍ، وفي كلِّ واقعٍ، بِلا نظرٍ في الشُّروطِ والموانعِ؛ كالجهلِ، والتَّأْويلِ، والإكراهِ، ولا اعتبارٍ لاختلافِ البيئاتِ، وغُربَةِ السُّنَّةِ، وفسادِ الزَّمانِ، وقلَّةِ المربِّينَ الرَّاسخينَ.

فليس كلُّ مَن وقعَ في قولٍ كفريٍّ صارَ كافرًا بعينِهِ، ولا كلُّ مَن تلبَّسَ ببدعَةٍ يُعامَلُ معاملَةَ رؤُوسِ أَهلِ الضَّلالِ؛ بلِ الأَمرُ دينٌ، والدِّينُ «علمٌ وعَدْلٌ ورحمةٌ» والحُكمُ على المقالاتِ غيرُ الحُكمِ على الأَعيانِ، وتنزيلُ الأَحكامِ لهُ شروطُهُ وضوابطُهُ وموانعُهُ؛ فمَن حفظَ أَلفاظَ العلماءِ ولم يفقهْ مناطاتِها ومقاصدَها، جعلَ العلمَ سيفًا على رقابِ الخلقِ، بدلَ أَن يكونَ نورًا يهديهم إلى الحقِّ، وميزانًا يردُّهم إلى الصِّراطِ المستقيمِ بالحكمَةِ والعَدْلِ والبصيرَةِ.

ثانيًا- التَّاريخُ لا يُنسخُ نسخًا أَعمَى:

إِنَّ كلامَ السَّلَفِ المتقدِّمينَ في التَّبديعِ والهجرِ صدَرَ في أَمْكِنَةٍ كَانَ فِيهَا سُلْطَانُ السُّنَّةِ ظَاهِراً وَالبِدْعَةُ مَقْهُورَةً، فَكَانَ لِلزَّجْرِ ثَمَرَتُهُ. 

أَمَّا فِي «زَمَانِ الغُرْبَةِ» وَتَسَلُّطِ الشُّبُهَاتِ وَجَهْلِ العَامَّةِ، فَإِنَّ الدَّاعِيَةَ الحَصِيفَ لَا يَنْسَخُ مَوْقِفاً مِنَ القَرْنِ الثَّالِثِ لِيَجْعَلَهُ قَانُوناً مُطْلَقاً اليَوْمَ بِلَا فِقهٍ لِلْمَنَاطِ؛ فَالـمَسْأَلَةُ لَيْسَتْ حِفْظَ مَوَاقِفَ، بَلْ فَهْمُ عِلَلٍ وَمَقَاصِدَ.

إِنَّ جُملَةً من كلامِ أَئمَّةِ السَّلَفِ المتقدِّمينَ في أَبوابِ التَّبديعِ والهَجْرِ والزَّجرِ؛ صدرَتْ في سياقاتٍ كانَ فيها سُلطانُ السُّنَّةِ ظاهرًا، وأَهلُها أَقوياءَ، والبدعَةُ - في كثيرٍ منَ المواطِنِ - محصورَةً أَو مقهورَةً؛ فكانَ للزَّجرِ أَثرُهُ، وللهجْرِ مقصِدُهُ، وللتَّغليظِ ثمرَتُهُ.

أَمَّا في زمانِ الغُربَةِ، وغلبَةِ الجهلِ، وتسلُّطِ الشُّبُهاتِ، وضعفِ المرجعيَّاتِ العلميَّةِ؛ فإنَّ الدَّاعيَةَ الحصيفَ لا ينسخُ موقِفًا منَ القرنِ الثَّالثِ أَو الرَّابِعِ ليجعلَهُ قانونًا مطلقًا في كُلِّ زمانٍ ومكانٍ، بِلا فقهٍ للمَناطِ، ولا نظرٍ في المآلِ، ولا تمييزٍ بينَ الحُكمِ العامِّ وتنزيلِهِ على الأَعيانِ.

فالمسأَلَةُ ليسَتْ حفظَ مواقِفَ تُردَّدُ، ولا أَلفاظًا تُنزَعُ من سياقِها، بلْ فهمُ علَلٍ ومقاصِدَ، وفقهُ مناطاتٍ ومآلاتٍ؛ حتَّى يُوضَعَ كلامُ الأَئمَّةِ في موضِعِهِ، ويُحفظَ للحقِّ حقُّهُ، وللدَّعوَةِ رحمَتُها، وللأُمَّةِ وحدتُها.

ثالثًا- مراحِلُ الحُكْمِ الرَّاشِدِ:

١- بيانُ الحُكمِ العامِّ: 

كأَنْ يُقالُ: (هذا القولُ كفرٌ، أَو هذِهِ المقالَةُ بدعَةٌ، أَو هذا الفعلُ محرَّمٌ) وهذا بابٌ من أَبوابِ البيانِ الشَّرعيِّ الذي تُحفظُ بهِ حدودُ الحقِّ والباطلِ.

٢- الحُكمُ على المُعيَّن: 

وهذا لا يكونُ إلَّا بعدَ تحقُّقِ الشُّروطِ وانتفاءِ الموانعِ، وقيامِ الحُجَّةِ، وزوالِ الشُّبهةِ، والنَّظرِ في حالِ الشَّخصِ من جهَةِ العلمِ والقصدِ والتَّأْويلِ والإكراهِ.

٣- اختيارُ طريقَةِ الإنكارِ: 

فقدْ يكونُ الحكمُ صحيحًا في أَصلِهِ؛ لكنَّ طريقَةَ عرضِهِ خاطئَةٌ تُحدِثُ فتنَةً، أَو تُنفِّرُ عن الدِّينِ، أَو تُغلِقُ بابَ القَبولِ، أَو تُفضي إلى مفسدَةٍ أَعظمٍ.فليسَ الفقهُ أَن تعرفَ الحكمَ فقط، بل أَن تعرفَ موضعَهُ، ومناطَهُ، وطريقةَ بيانِهِ، ومآلَ تنزيلِهِ؛ فإنَّ الحكمَ إذا وُضعَ في غيرِ موضعِهِ، أَو عُرضَ بغيرِ حكمتِهِ؛ صارَ سببًا في الفتنَةِ، وإنْ كانَ أَصلُهُ حقًّا.

رابعًا- الطَّريقُ إلى الخوارِجِ يبدَأُ بنصٍّ وسوءِ فهمٍ:

اعلم إنَّ منبَتَ الغُلُوِّ يبدَأُ حينَ يتذوَّقُ الشَّابُّ مبادئَ العلمِ؛ فيظنُّ أَنَّهُ امتلكَ المفاتيحَ، فيشرعُ في «تصنيفِ النَّاسِ»: (هذا مميِّعٌ! وهذا ضالٌّ! وهذا مبتدعٌ! وهذا لا يُجالَسُ ولا يُسمَعُ لَهُ!)؛ حتى ينتهيَ بهِ المطافُ - إن لم يتداركْهُ اللهُ برحمتِهِ - إلى استحلالِ الأَعراضِ، وربما الدِّماءِ.

وهذا هو طريقُ الخوارجِ قديمًا وحديثًا:

 نصوصٌ صحيحَةٌ، وفهومٌ سقيمَةٌ، وتنزيلٌ فاسدٌ؛ يأْخذونَ منَ النُّصوصِ ظواهرَها، ويغفلونَ عن مقاصدِها، ويُنزِّلونَ الأَحكامَ على غيرِ مناطِها؛ فيكونُ فسادُ فهمِهم أَعظمَ من صوابِ حفظِهم.

خاتمَةٌ إلى طالبِ الحقِّ:

 يا طالبَ الحقِّ! لا تجعلْ غيرتَكَ مِعولًا لهدمِ الدِّينِ، ولا تجعلْ هدايتَكَ مِنَّةً على النَّاسِ؛ فالذي هداكَ قادرٌ على أَن يَكِلَكَ إلى نفسِكَ إن اغتررتَ، ومَن وكلَهُ اللهُ إلى نفسِهِ ضاعَ وخُذِلَ.

كُنْ للنَّاسِ ناصحًا لا فاضحًا، ورفيقًا لا منفِّرًا، ورحيمًا لا متكبِّرًا؛ فإنَّ الحقَّ لا يحتاجُ إلى «قسوَةٍ جاهلَةٍ» ولا إلى «حماسَةٍ عمياءَ»؛ بل يحتاجُ إلى علمٍ راسخٍ، وقلبٍ رحيمٍ، وبصيرَةٍ في المناطاتِ والمآلاتِ.

فاللَّهُمَّ! ارزقْنا فقهًا راشِدًا، وقلبًا رحيمًا، ولسانًا صادقًا، واجعلْنا هداةً مهتدينَ، غيرَ ضالِّينَ ولا مُضلِّين.. آمين!

عبدالله بن عبدالحميد الأثري

Previous
Previous

»عِبادَةُ الحَجِّ« مدرسَةُ التَّوحيدِ والتَّجرُّدِ وتربيَةُ القُلوبِِ..

Next
Next

»تأْصيلُ مَراحِلِ الدَّعوةِ بينَ الاستضعافِ والتَّمكينِ«..