»عِبادَةُ الحَجِّ« مدرسَةُ التَّوحيدِ والتَّجرُّدِ وتربيَةُ القُلوبِِ..

أَخي المسلمَ الحاجَّ الصَّادقَ!

اعلمْ - وفَّقكَ اللهُ لحجٍّ مبرورٍ وسعيٍ مَشْكورٍ - أَنَّ «الحَجَّ» وهو الرُّكنُ الخامسُ من أَركانِ الإسلامِ؛ ليسَ رحلَةً عاديَّةً، ولا موسمًا اجتماعيًّا؛ بلْ هو عبادَةٌ عظيمَةٌ جامعَةٌ، يجتمعُ فيها توحيدُ اللهِ، وتعظيمُ أَمرِهِ، وصِدْقُ الاتِّباعِ لرسُولِهِ ﷺ.

فالحَجُّ؛انتقالٌ بالجسَدِ إلى بيتِ اللهِ الحرامِ، وانتقالٌ بالقلبِ من علائِقِ الدُّنيا إلى معاني الآخرَةِ؛ ولهذا كانَ من أَعظمِ مقاصدِهِ أَن يخرجَ العبدُ من ضيقِ الهوى إلى سَعَةِ العبوديَّةِ، ومن زينَةِ المظاهرِ إلى حقيقَةِ الإخلاصِ. قالَ تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾.

فتأَمَّلْ قولَهُ تعالى: ﴿وَلِلَّهِ﴾؛ فالحَجُّ للهِ، لا للسُّمعَةِ والمباهاةِ، ولا لطلَبِ الأَلقابِ، ولا لجمْعِ الصُّورِ والذِّكرياتِ؛ بلْ هو عبادَةٌ يُقصَدُ بها وجْهُ اللهِ وحدَهُ.

أَوَّلًا- الحَجُّ إعلانُ التَّوحيدِ وتحقيقُ الاتِّباعِ:

- حقيقَةُ التَّلبيَةِ: إنَّ أَوَّلَ ما يلهجُ بهِ الحاجُّ في نُسكِهِ قولُهُ: (لبَّيكَ اللَّهُمَّ لبَّيكَ، لبَّيكَ لا شريكَ لكَ لبَّيكَ؛ إنَّ الحمْدَ والنِّعمَةَ لكَ والمُلك، لا شريكَ لكَ).

وهذِهِ التَّلبيَةُ ليسَتْ أَلفاظًا مجرَّدَةً تُردَّدُ باللِّسانِ؛ بلْ هيَ عهَدٌ يعقدُهُ العبدُ معَ ربِّهِ، يعلنُ فيهِ إجابتَهُ لأَمرِ اللهِ، وانقيادَهُ لشرعِهِ، وتبرُّؤَهُ من الشِّركِ وأَسبابِهِ.

فإذا قالَ الحاجُّ: «لا شريكَ لكَ»؛ وجَبَ عليهِ أَن يتفقَّدَ قلبَهُ:هلْ فيهِ تعلُّقٌ بالمخلوقينَ؟ هلْ فيهِ رياءٌ أَو عُجبٌ؟ هلْ فيهِ التِّفاتٌ إلى مدحِ النَّاسِ وثنائِهم؟

فالحَجُّ الحقُّ يبدأُ من تنقيَةِ القصْدِ، وتصحيحِ التَّوحيدِ، وإفرادِ اللهِ بالعبادَةِ والمحبَّةِ والخوفِ والرَّجاءِ.

- مدرسةُ الاتِّباعِ لا الاختراعِ: والحَجُّ عبادَةٌ مبنيَّةٌ على الاتِّباع، لا على الأَهواءِ والاختراعاتِ؛ ولذلكَ قالَ النَّبيُّ ﷺ: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ». 

فكأَنَّ الحاجَّ يتربَّى في كلِّ شعيرَةٍ على أَنَّ الدِّينَ ليسَ بالرأْيِ المجرَّدِ، ولا بالعاطفَةِ المنفلتَةِ، ولا بالعاداتِ الموروثَةِ؛ بلْ هو وقوفٌ عندَ حدودِ الوحي، وتعظيمٌ لأَمرِ اللهِ، واتباعٌ لهديِ رَسُولِ اللهِ ﷺ. فمَن أَرادَ حجًّا مبرورًا؛ فليتعلَّمْ أَحكامَ حجِّهِ، وليحذرْ من البِدَعِ والمخالفاتِ، ومن إيذاءِ المسلمينَ بالمزاحمَةِ والمدافعَةِ ورفعِ الأَصواتِ بغيرِ حقٍّ.

ثانيًا- الحَجُّ مدرسَةُ التَّجرُّدِ وتهذيبِ الأَخلاق:

- التَّجرُّدُ من الدُّنيا: حينَ يخلعُ الحاجُّ ثيابَ زينتِهِ، ويلبسُ إحرامَهُ، يتذكَّرُ حقيقَةً كُبرى: أَنَّهُ سيخرجُ من الدِّنيا كما دخلَها، لا يحملُ معهُ مالًا ولا منصبًا ولا جاهًا؛ إنَّما يخرجُ بعملِهِ، ويقفُ بين يدي ربِّهِ فردًا؛ فالإحرامُ يُذكِّرُ بالكفنِ، والوقوفُ بعرفَةَ يُذكِّرُ بموقفِ الحشرِ، والزِّحامُ يُذكِّرُ بيومٍ يجمْعُ اللهُ فيهِ الأَوَّلينَ والآخرينَ.

فيا أَيُّها الحاجُّ! لا تجعلْ حجَّكَ مجرَّدَ صورٍ تُلتقط، ولا مشاهدَ تُنشر، ولا ذكرياتٍ تُحكى؛ بلْ اجعلْهُ ميلادًا جديدًا لقلبِكَ، وبدايَةً صادقَةً معَ ربِّكَ، وتوبَةً نصوحًا من ذنوبِكَ وغفلتِكَ.

- ضوابطُ السُّلوكِ في المناسكِ: 

قالَ تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الحَجِّ﴾.

- فلا رفثَ: أَي لا فُحشَ، ولا كلامَ ساقطًا.

- ولا فسوقَ: أَي لا معصيةَ، ولا خروجَ عن طاعةِ اللهِ.

- ولا جدالَ: أَي لا خصومَةَ مذمومَةً تُذهِبُ صفاءَ العبادَةِ.

ومن المؤسفِ؛ أَن ترى مَن يحافظُ على هيئَةِ الإحرامِ، ويُضيِّعُ أَخلاقَ الإحرامِ؛ يزاحِمُ ويغضَبُ ويؤْذي إخوانَهُ، وينسى أَنَّ الحَجَّ ليسَ تهذيبًا للظَّاهِرِ فحسب، بلْ هو تهذيبٌ للقلبِ واللِّسانِ والجوارحِ؛ فالحاجُّ الصَّادقُ؛ يظهرُ أَثَرُ حجِّهِ في رفقِهِ، وصبرِهِ، وحُسنِ خُلقِهِ، وحفظِهِ لحقوقِ إخوانِهِ المسلمينَ.

ثالثًا- مشهدُ الانكسارِ في عرفةَ وعلاماتُ القَبولِ:

يومُ عرفَةَ والافتقارُ إلى اللهِ: أَعظمُ أَيَّامِ الحَجِّ يومُ عرفَةِ؛ يومُ الدُّعاءِ، والانكسارِ، والتَّضرُّعِ، والافتقارِ إلى اللهِ؛ يقفُ الحاجُّ هناكَ مستحضرًا ذنوبَهُ وتقصيرَهُ، راجيًا مغفرةَ ربِّهِ، رافعًا يديَهِ، منكسرَ القلبِ بينَ يدي مولاهُ؛ فما أَكرمَها من ساعَةٍ إذا صدقَ فيها القلب! وما أَعظمَها من وقفَةٍ إذا خرجَ منها العبدُ بعهدٍ صادقٍ، وتوبَةٍ نصوحٍ، وقلبٍ جديدٍ!

- جزاءُ الحجِّ المبرورِ: قالَ النبيُّ ﷺ: «والحَجُّ المَبْرُورُ ليسَ له جزاءٌ إلَّا الجنَّة».

والحَجُّ المبرورُ هو الذي خلا من الإثمِ، وقامَ على الإخلاصِ والاتِّباعِ، وظهرَ أَثرُهُ على صاحبِهِ صلاحًا واستقامَةً وخشيَةً وتواضعًا؛ فمن علامَةِ قبولِ الطاعَةِ أَن تُثمرَ طاعَةً بعدها، ومن علامَةِ الحجِّ النَّافِعِ أَن يعودَ الحاجُّ بقلبٍ أَخشع، ولسانٍ أَصدق، ونفسٍ أَقربَ إلى اللهِ، في صلاتِهِ، وبرِّهِ، ومالِهِ، ولسانِهِ، ومعاملتِهِ للخلقِ.

رابعًا- رسالَةٌ منهجيَّةٌ إلى مَن عزمَ على الحَجِّ:

يا مَن وفَّقكَ اللهُ إلى قصدِ بيتِهِ الحرامِ! طهِّرْ مالَكَ، ورُدَّ الحقوقَ إلى أَهلِها، واستسمحْ مَن ظلمتَهُ، وتعلَّمْ أَحكامَ حجِّكَ قبلَ الدُّخولِ في النُّسكِ؛ حتَّى تعبدَ اللهَ على بصيرَةِ.واعلَمْ أَنَّ الزِّحامَ، والتَّعبَ، وتأْخُّرَ الخدماتِ، واختلافَ طباعِ العبادِ؛ كلُّ ذلكَ امتحانٌ لإيمانِكَ وصبرِكَ وخُلُقِكَ.فمَن صبرَ ورفقَ واحتسبَ، وجدَ في كلِّ مشقَّةٍ بابًا للأَجرِ، ومَن ضاقَ صدرُهُ، وساءَ خُلقُهُ، وآذى إخوانَهُ؛ نقصَ من حجِّهِ بقدْرِ ما نقصَ من أَدبِهِ مع اللهِ وعبادِهِ.

فإيَّاكَ أَن تخرجَ إلى بيتِ اللهِ بجسدِكَ، ويبقى قلبُكَ رهينًا لخصوماتِ الدُّنيا وشهواتِها؛ فإنَّ المقصودَ الأَعظمَ أَن يرجعَ القلبُ إلى اللهِ، وأَن يعودَ العبدُ من حجِّهِ وقدْ ازدادَ توبَةً، وخشيَةً، واستقامَةً.

الخاتمَةُ والخلاصُةُ:

- إنَّ الحَجَّ عبادَةٌ تُعلِّمُ المسلمَ؛ أَنَّهُ عبدٌ محضٌ للهِ، لا يملكُ من أَمرِهِ شيئًا إلَّا ما وفَّقَهُ اللهُ إليهِ.

- وهو مدرسَةٌ في التَّوحيدِ، والاتِّباعِ، والصَّبرِ، والتَّواضعِ، والمساواةِ، والتَّجرُّدِ، وتعظيمِ شعائرِ اللهِ.

فمَن فقهَ الحَجَّ حقًّا؛ علمَ أَنَّ الحياةَ كلَّها سفرٌ إلى اللهِ، وأَنَّ خيرَ الزَّادِ التَّقوى، كما قالَ تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾.

اللَّهُمَّ! اجعلْ حجَّ الحاجِّينَ مبرورًا، وسعيَهم مشكورًا، وذنبَهم مغفورًا، ورُدَّهم إلى أَهلِهم سالمينَ غانمينَ، واجعلْنا وإيَّاهم من عبادِكَ المقبولينَ..آمين!

عبدالله بن عبدالحميد الأثري

Previous
Previous

»العيدُ في الإسلامِ«: حينَ تبتسمُ الشَّريعَةُ للفطرَةِ..

Next
Next

»فتنَةُ نِصْفِ العلمِ« بينَ غُلُوِّ الـحُكْمِ وفقهِ التَّنزيلِ..