»العيدُ في الإسلامِ«: حينَ تبتسمُ الشَّريعَةُ للفطرَةِ..

أَخي المسلمَ الصَّادقَ!

اعلمْ - وفَّقكَ اللهُ لطاعتِهِ - أَنَّ من أَسرارِ عظمَةِ هذا الدِّينِ، وكمالِ رعايتِهِ للنَّفسِ البشريَّةِ؛ أَنَّهُ لم يأْتِ ليصادِمَ الفطرَةَ، ولا ليكبتَ نوازعَ الإنسانِ السَّويَّةَ؛ بل جاءَ ليهذِّبَها، ويسدِّدَها، ويرتقيَ بها من حظوظِ النَّفسِ إلى معاني العبوديَّةِ.

ومن أَجلى مظاهرِ هذا التَّوازنِ العظيمِ، والانسجامِ الدَّقيقِ بين الشَّرعِ والفِطرَةِ: أَنَّ الإسلامَ جعلَ العيدَ عبادةً تلبسُ ثوبَ الفرحِ، وفرحًا لا يخرجُ عن نورِ العبوديَّةِ.

إنَّ حبَّ الفرحِ، والنزوعَ إلى البهجَةِ، وطلبَ راحَةِ النَّفسِ ومتعتِها؛ فطرَةٌ أَصيلَةٌ فطرَ اللهُ عليها عبادَهُ، والنَّفسُ إذا طالَ عليها الجدُّ والمجاهدَةُ كلَّتْ وملَّتْ؛ ولذلكَ جاءَ الإسلامُ يفتحُ لها أَبوابَ الفرحِ النَّظيفِ، والسُّرورِ المشروعِ، والتَّرويحِ المنضبطِ بنورِ الشَّريعَةِ.

أَوَّلًا- العيدُ؛ نقطَةُ الالتقاءِ بينَ التَّكليفِ والفطرَةِ:

في المنظورِ الإسلاميِّ، لا يتقاطعُ الفرحُ مع العبادَةِ، بلْ يتكاملانِ؛ فإنَّ العيدَ يأْتي دائمًا عقيبَ مواسمِ الطَّاعاتِ الكُبرى: فعيدُ الفطرِ يأْتي تتويجًا لصيامِ رمضانَ، وعيدُ الأَضحى؛ يأْتي في سياقِ شعائرِ الحجِّ ويومِ عرفةَ.وهذا الرَّبطُ الزَّمنيُّ العجيبُ يحملُ دلالةً شرعيَّةً عميقَةً:

* الفرحُ مكافأَةٌ وتشريعٌ:

 فنحنُ لا نفرحُ انفكاكًا من العبادَةِ؛ بل نفرحُ «بالعبادَةِ» وبتوفيقِ اللهِ لنا لإتمامِها، كما قالَ تعالى: ﴿قلْ بفضلِ اللهِ وبرحمتِهِ فبذلكَ فليفرحوا هو خيرٌ ممَّا يجمعونَ﴾.

* والفسحَةُ جزءٌ من سماحَةِ الدِّينِ:

 فقدْ دخلَ النَّبيُّ ﷺ على عائشةَ رضيَ اللهُ عنها، وعندَها جاريتانِ تغنِّيانِ في أَيامِ العيدِ، ودخلَ أَبو بكرٍ - رضيَ اللهُ عنهُ - فزجرَهما، فقالَ النَّبيُّ ﷺ: «دعهما يا أَبا بكرٍ؛ فإنَّ لكلِّ قومٍ عيدًا، وهذا عيدُنا».

وفي بعضِ الآثارِ والمعاني المرويَّةِ: «إنِّي أُرسلتُ بحنيفيَّةٍ سمحةٍ».

وهذا التَّوجيهُ النَّبويُّ يؤصِّلُ قاعدَةً شرعيَّةً مهمَّةً: أَنَّ الفسحَةَ، وإظهارَ السُّرورِ، والتَّرويحَ عن النَّفسِ في العيدِ؛ من المعاني المشروعَةِ التي تُظهرُ سماحَةَ هذا الدِّينِ، ما دامتْ منضبطةً بحدودِ الشَّريعَةِ.

ثانيًا: تهذيبُ الفِطرَةِ لا كبتُها:

إنَّ الحضارَةَ الماديَّةَ اليومَ كثيرًا ما تقودُ الإنسانَ نحو فرحٍ انفلاتيٍّ، يقومُ على الغفلَةِ عن اللهِ، وتجاوزِ الأَخلاقِ، والانغماسِ في الشَّهواتِ بِلا قيدٍ ولا ميزانٍ.

أَمَّا الإسلامُ؛ فقدْ جعلَ للفطرَةِ مسارًا آمنًا ونظيفًا:

* فرحٌ موصولٌ بالخالقِ:

 يبدأُ العيدُ بالتكبيرِ وصلاةِ العيدِ؛ ليبقى القلبُ موصولًا بمصدَرِ النِّعمَةِ، عارفًا أَنَّ الفرحَ الحقَّ لا ينفصلُ عن شكرِ المنعِم سبحانَهُ.

* وفرحٌ مغسولٌ بالقِيَمِ:

 يُترجَمُ الفرحُ في الإسلامِ بالصِّلَةِ، والبرِّ، والتَّكافلِ؛ كزكاةِ الفطرِ في عيدِ الفطر، والأَضاحي في عيدِ الأَضحى؛ ليتجاوزَ الفرحُ دائرَةَ النَّفسِ الضيِّقَةِ إلى رحابَةِ المجتمعِ والأُمَّةِ.

إنَّ الإسلامَ لم يُحرِّمْ زينةَ الحياةِ ولا الطيِّباتِ؛ بل قالَ جلَّ في علاه: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾.

فالمؤمنُ يتلذَّذُ بالطعامِ والشرابِ، ويلبسُ الجميلِ، ويُدخلُ السُّرورَ على أَهلِهِ وولدِهِ؛ محتسبًا هذِهِ المتعَ الفِطريَّةَ في ميزانِ الطاعاتِ والقُرباتِ؛ ليتأكَّدَ المعنى العظيمِ: في الإسلام؛ حتى الفِطرَةُ تلبسُ ثوبَ العبادَةِ.

وقفةٌ وعظيَّةٌ ودافِعٌ عمليٌّ:

أَيُّها الأَحبَّة! إنَّ فَهْمَنا لعمقِ العيدِ يفرضُ علينا أَن نعيشَ هذِهِ الفُسحَةَ بنفوسٍ راضيَةٍ، وقلوبٍ مستبشرَةٍ؛ فلا نجعلَ العيدَ مجرَّدَ طقوسٍ مادِّيَّةٍ جافَّةٍ، بل نجعلُهُ تجديدًا لنشاطِ الرُّوحِ، وإحياءً لمعاني الشُّكرِ والصِّلَةِ والمغفرَةِ.

عيشوا فرحةَ العيدِ ترويحًا عن نفوسِكم المثقلَةِ بأَعباءِ الحياةِ، ولكنْ في ظلالِ العِفَّةِ والشَّرعِ.

واعلموا أَنَّ النَّفسَ التي تفرحُ بفضلِ اللهِ في العيدِ؛ نفسٌ ينبغي أَن تتخفَّفَ من أَثقالِ الغِلِّ والحسدِ، وأَن تتَّسعَ للرَّحمَةِ والإحسانِ والعفوِ والصَّفحِ.

فيا مَن وفَّقكم اللهُ للمواسمِ والطَّاعاتِ؛ افرحوا بعيدِ الفطرِ والأَضحى، وابثُّوا البهجَةَ في بيوتِكم ومجتمعاتِكم؛ فإنَّ إظهارَ السُّرورِ في العيدِ من شعائرِ الدِّينِ الظاهرَةِ، ما دامَ فرحًا منضبطًا بطاعَةِ اللهِ، بعيدًا عن الغفلَةِ والمعصيَةِ.

تقبَّلَ اللهُ منكم صالحَ الأَعمالِ، وجعلَ أَيامَكم كلَّها أَعيادًا بطاعتِهِ، وملأَ قلوبَكم رضًا بقضائِهِ، وشكرًا لنعمائِهِ، وفرحًا بفضلِهِ ورحمتِهِ.

عبدالله بن عبدالحميد الأثري

Previous
Previous

حبلُ اللهِ الممدُودِ: »فقهُ صِلَةِ الأَرحامِ بينَ التَّأْصيلِ والتَّطبيقِ«..

Next
Next

»عِبادَةُ الحَجِّ« مدرسَةُ التَّوحيدِ والتَّجرُّدِ وتربيَةُ القُلوبِِ..