»ميزانُ العَدْلِ: بينَ بيانِ المقالَةِ والحكمِ على القائلِ«

«ميزانُ العَدْلِ: بينَ بيانِ المقالَةِ والحكمِ على القائلِ»

لماذا لم يعيِّنْ بعضُ علماءِ السَّلفِ حالَ مَنْ وقَعَ في الشِّركِ أَو الكُفْرِ؟

أَخي طالبَ العلمِ الصَّادقَ اللَّبيب!

اعلمْ - وفَّقكَ اللهُ - أَنَّهُ ليسَ كلُّ سكوتٍ من عالمٍ عن شخصٍ معيَّنٍ يعدُّ تزكيةً لهُ، ولا كلُّ عدمِ تصريحٍ بالحكمِ على الأَعيانِ إقرارًا للباطلِ؛ بل لهذا البابِ فقهٌ دقيقٌ، يختلطُ على من لا يفرِّقُ بينَ «الحكمِ على المقالةِ» و«الحكمِ على القائلِ» وبينَ «بيانِ الحقِّ العامِّ» و«تنزيلِ الحكمِ على المعيَّنِ».

تأْصيلاتٌ منهجيَّةٌ في فقهِ الأَعيانِ:

أَوَّلًا- التفريقُ بينَ المقالةِ وصاحبِها:

من أُصولِ أَهلِ السُّنَّةِ: التفريقُ بينَ «الفعلِ» و«الفاعلِ»؛ فقد يكونُ القولُ كفرًا، أَو الفعلُ شركًا، لكنْ لا يلزمُ من ذلكَ تنزيلُ الحكمِ على الشَّخصِ مباشرةً؛ حتى تتحقَّقَ الشُّروطُ وتنتفيَ الموانعُ كالجهلِ، أَو التأْويلِ، أَو الإكراهِ.

فالحكمُ على المعيَّنِ بابٌ عظيمٌ يتعلَّقُ بالدِّماءِ والمآلاتِ، ولا يخوضُ فيهِ إلَّا مَن جمعَ بينَ العلمِ والورعِ.

ثانيًا- قيامُ الحجَّةِ ليسَ مجرَّدَ بلوغِ النَّصِّ:

لا يكفي أَن يقالَ: «النَّصُّ موجودٌ في الكتبِ» بل العبرةُ ببلوغِ البيانِ على وجهٍ تقومُ بهِ الحجَّةُ وتزولُ بهِ الشُّبهةُ؛ فالمؤاخذةُ - كما دلَّتْ عليهِ الآياتُ - إنَّما تكونُ بعدَ البيانِ الرِّساليِّ الذي ينكشفُ بهِ محلُّ العنادِ.

ثالثًا- الموازنةُ بينَ حمايةِ الحقِّ والاحتياطِ في الخلقِ:

كانَ السَّلفُ يغلِّظونَ في نقدِ المقالةِ صيانةً للدِّينِ؛ لكنَّهم يحتاطونَ في الحكمِ على القائلِ رحمةً بالمسلمينَ.. هذا الميزانُ يحمي الحقَّ من الضياعِ، ويحمي الأَعيانَ من الظلمِ.

رابعًا- خفاءُ المسائلِ وسلطانُ البيئةِ:

ليستْ كلُّ المسائلِ في درجةٍ واحدةٍ من الجلاءِ؛ فمنها ما يدخلُه التلبيسُ والاصطلاحاتُ الحادثةُ، ممَّا يقتضي أَناةً في الحكمِ، خصوصًا في الأَزمنةِ التي يغلبُ فيها الجهلُ ويقوى فيها التقليدُ.

خامسًا- السُّكوتُ تثبُّتًا وورعًا:

قد يسكتُ العالمُ لعدمِ ثبوتِ النقلِ عندَه، أَو لجهلِه بسياقِ المقالةِ، أَو رجاءَ توبةِ صاحبِها؛ فالسُّكوتُ هنا ليسَ تزكيةً للخطأِ، بل هو تعظيمٌ للأَمانةِ العلميَّةِ.

سادسًا- تقديمُ «المنهجِ» على «الأسَماءِ»:

ليسَ من لازمِ النصحِ تسميةُ كلِّ واقعٍ في الخطأِ؛ فالقصدُ الشَّرعيُّ هو تحذيرُ النَّاسِ من المسلكِ الباطلِ؛ فإذا رأَى العالمُ أَنَّ التصريحَ بالاسمِ سيفتحُ بابَ عصبيَّةٍ أَو فتنةٍ أَعظمَ، قدَّمَ بيانَ «الحقِّ العامِّ» على «التعيينِ».

سابعًا- الهجرُ والزجرُ «وسائلُ» لا «أَحكامٌ آليَّةٌ»:

الهجرُ يشرعُ لمصلحةِ المهجورِ أَو لحمايةِ المجتمعِ؛ فإذا صارَ الهجرُ سببًا في زيادةِ الشَّرِّ أَو تنفيرِ النَّاسِ عن الدِّينِ، تركَه العالمُ لما هو أَنفعُ.

ثامنًا- السُّكوتُ عندَ العجزِ ضرورةٌ لا رضًا:

قد يعجزُ العالمُ عن التصريحِ لخوفِ فتنةٍ غالبةٍ أَو سلطانٍ جائرٍ؛ وهذا العجزُ لا يسمَّى مداهنةً، كما أَنَّ الحكمةَ لا تسمَّى جبنًا؛ فالشرَّعُ مبنيٌّ على الاستطاعةِ.

تاسعًا- عدمُ محاكمةِ المتقدِّمينَ بانتقائيَّةٍ متأَخِّرةٍ:

لا يصحُّ لومُ عالمٍ قديمٍ على سكوتِهِ عن شخصٍ بناءً على معلوماتٍ تجمَّعتْ لدينا بعدَ قرونٍ؛ فالإنصافُ أَن ننظرَ إليهِ في ضوءِ زمانِهِ وما بلغَهُ من نقلٍ.

الخلاصةُ المنهجيَّةُ:

لا ينبغي أَن يتَّخذَ هذا التَّأْصيلُ ذريعةً لتمييعِ التَّوحيدِ أَو التهوينِ من الشِّركِ؛ فالواجبُ جمعُ الأَصلينِ:

- صيانةُ التَّوحيدِ: بيانُ خطرِ المقالاتِ الباطلةِ دونَ مماطلةٍ.

- العدلُ معَ الخلقِ: الاحتياطُ في تنزيلِ الأَحكامِ على الأَعيانِ دونَ تهوُّرٍ.

فمن ضيَّعَ الأَوَّلَ وقعَ في «التمييعِ»، ومن ضيَّعَ الثَّانيَ وقعَ في «التَّبديعِ والغُلُوِّ».

اللَّهُمَّ! اجعلْ غيرتَنا على التَّوحيدِ بعلمٍ، ورحمتَنا بالخلقِ بحقٍّ، وثبِّتْنا على منهجِ العَدْلِ، واجعلْنا مفاتيحَ هُدى ورحمةٍ.. آمين!

عبدالله بن عبدالحميد الأثري

Previous
Previous

»فقهُ المآلِ وسَدُّ ذريعَةِ الفتنَةِ« عندَ أَئمَّةِ أَهلِ السُّنَّةِ والجماعَةِ..

Next
Next

»وظيفَةُ الدَّاعيَةِ«: نشرُ الحقِّ والصَّبرُ في سبيلِهِ..