»فقهُ المآلِ وسَدُّ ذريعَةِ الفتنَةِ« عندَ أَئمَّةِ أَهلِ السُّنَّةِ والجماعَةِ..
أَخي طالبَ العلمِ اللَّبيب!
اعلمْ - وفَّقكَ اللَّهُ - أَنَّ من تمامِ الفقهِ في الدِّينِ، وكمالِ البصيرَةِ في الدَّعوَةِ: أَلَّا ينظُرَ العالمُ والدَّاعيَةُ إلى الحكمِ مجرَّدًا عن آثارِهِ، ولا إلى القولِ مُنفصِلًا عن مآلاتِهِ، ولا إلى الإنكارِ مقطُوعًا عن نتائجِهِ؛ بلْ يزِنُ القولَ والموقِفَ والإنكارَ بميزانِ الشَّرعِ الحكيمِ، والعلمِ القويمِ، والحكمَةِ الرَّاشدَةِ، والمصلحَةِ الرَّاجحَةِ؛ فينظُرُ: ماذا يحقِّقُ هذا القولُ من خيرٍ؟ وماذا يدْرَأُ من شرٍّ؟ وماذا يفتَحُ من أَبوابِ الفتنَةِ؟ وماذا يغلِقُ من مسالكِ الفسادِ؟
فليسَ الفقيهُ الرَّاسِخُ هو مَن يعرِفُ الحكمَ فقطْ؛ بلْ مَن يعرِفُ الحكمَ وموضعَهُ، وزمانَهُ، وأَهلَهُ، وأَثرَهُ، وما يترتَّبُ عليهِ من مصالحَ ومفاسِدَ؛ إذْ قدْ يكونُ الكلامُ في أَصلِهِ حقًّا، لكنَّ إلقاءَهُ في غيرِ موضعِهِ يورِثُ باطِلًا، وقدْ يكونُ الإنكارُ مشروعًا، لكنَّ صورتَهُ، أَو توقيتَهُ، أَو أُسلوبَهُ يفتَحُ بابًا من الفتنَةِ أَعظَمَ من المنكرِ المرادِ إنكارُهُ.
- أُصولٌ راسخَةٌ لا تبدُّلَ فيها:
ولهذا؛ كانَ من أُصولِ أَهلِ السُّنَّةِ والجماعَةِ: «رعايَةُ فقهِ المآلاتِ، وسَدُّ ذرائِعِ الفتنَةِ»؛ فلا يُقدِمونَ على قولٍ، أَو موقِفٍ، أَو إنكارٍ؛ حتَّى ينظُروا في عاقبتِهِ، ولا يفتحونَ بابًا للشَّرِّ باسمِ الغيرَةِ، ولا يُشعلونَ نارًا باسمِ البيانِ، ولا يُسقطونَ اعتِبارَ المصلحَةِ الشَّرعيَّةِ بحجَّةِ الصَّدْعِ بالحقِّ.
وليسَ معنى ذلكَ تركَ البيانِ، ولا المداهنَةَ في الدِّينِ، ولا السُّكوتَ عن الباطِلِ مُطلقًا؛ فإنَّ البيانَ واجِبٌ، والنَّصيحَةَ فريضَةٌ، وإنكارَ المنكرِ من شعائِرِ هذا الدِّينِ العظيمِ.
ولكنَّ الكلامَ في «فقهِ تنزيلِ البيانِ»: متى يُقالُ؟ ولمَن يُقالُ؟ وبأَيِّ عبارَةٍ يُقالُ؟ وهلْ يُقالُ علنًا أَو سرًّا؟ وهلْ يُفضي إلى إزالَةِ المنكرِ أَو إلى تضخيمِهِ؟ وهلْ يجمَعُ القُلوبَ على الحقِّ، أَو يفتَحُ بابَ الشَّحناءِ والتَّمزُّقِ؟
- بينَ الشَّجاعَةِ الشَّرعيَّةِ والاندِفاعِ المفسِدِ:
فرَّقَ أَئمَّةُ أَهلِ السُّنَّةِ بينَ «الشَّجاعَةِ الشَّرعيَّةِ» و«الاندِفاعِ المفسِدِ»؛ فالشَّجاعَةُ أَنْ تقولَ الحقَّ بعلمٍ وعَدْلٍ وحكمَةٍ، وأَنْ تُراعيَ المآلاتِ، كما فعَلَ حبرُ الأُمَّةِ ابنُ عبَّاسٍ - رضيَ اللهُ عنهُما - معَ الخوارجِ؛ حيثُ حاورهُم بالعلمِ ليحقِنَ الدِّماءَ، وكما فعَلَ الإمامُ أَحمدُ بنُ حنبَلٍ - رحمَهُ اللهُ - في الفتنَةِ؛ حينَ صدَعَ بالحقِّ ونهَى عن الفوضَى رعايَةً لجماعَةِ المسلمينَ.
وأَمَّا الاندِفاعُ؛ فأَنْ تجعَلَ الغضَبَ ميزانًا، والحماسَةَ دليلًا، ثمَّ تترُكَ وراءَكَ فتنَةً لا تُطفأُ.
ولنتأَمَّلْ موقِفَ شيخِ الإسلامِ ابنِ تيميَّةَ - رحمَهُ اللهُ - حينَ كفَّ أَصحابَهُ عن إنكارِ شُربِ الخمرِ على «التَّتارِ»؛ فقدْ كانَ سكوتُهُ فقهًا لمآلٍ أَعظَمَ؛ حيثُ كانَتِ الخمرُ تشغلُهُمْ عن سفكِ دماءِ المسلمينَ.
خُلاصَةُ:
«سَدُّ الذَّريعَةِ» ليسَ حيلَةً لتركِ الواجِباتِ، ولا غطاءً للجُبنِ، وإنَّما هو فقهٌ يمنَعُ الوسائِلَ المفضيَةَ إلى مفسدَةٍ راجحَةٍ.
فقهُ المآلِ: هو أَن يُفرَّقَ بينَ مقامِ النَّصيحَةِ ومقامِ الفضيحَةِ، وبينَ مقامِ الرَّدِّ العلميِّ ومقامِ تأْجيجِ العامَّةِ.
المنهجُ الرَّاشِدُ: بيانٌ بِلا تهوُّرٍ، وحكمَةٌ بِلا مُداهنَةٍ، وإنكارٌ بِلا فتنَةٍ.فأَهلُ السُّنَّةِ لا يُشعِلونَ الفتنَ باسمِ البيانِ، ولا يتركُونَ البيانَ خوفًا من الفتنِ؛ بلْ ينظرونَ في المصالِحِ والمفاسِدِ، ويُقدِّمونَ أَعظَمَ الخيرينِ، ويدرَءُونَ أَعظمَ الشَّرَّينِ.
اللَّهُمَّ! ارزُقْنا علمًا نافعًا، وبصيرَةً راشِدَةً، وحكمَةً تضبِطُ الغيرَةَ، وشجاعَةً يحكمُها الشَّرعُ، واجعلْنا من أَهلِ البيانِ بِلا فتنَةٍ، والحكمَةِ بِلا مُداهنَةٍ.. آمِين!
عبدالله بن عبدالحميد الأثري

