»وظيفَةُ الدَّاعيَةِ«: نشرُ الحقِّ والصَّبرُ في سبيلِهِ..
أَخي طالبَ العلمِ الصَّادقَ اللَّبيب!
اعلمْ - وفَّقكَ اللهُ لكلِّ خيرٍ - أَنَّ وظيفَةَ الدَّاعي إلى الله تعالى في أَصلِها؛ ليسَتْ صناعَةَ الخُصوماتِ داخِلَ الصَّفِّ، ولا امتحانَ الأَتباعِ في كلِّ لفْظٍ وموقفٍ واجتهادٍ، ولا تحويلَ الدَّعوَةِ إلى ساحَةِ تصنيفٍ وتشقيقٍ وتبديعٍ وتخذيلٍ!
بلْ وظيفتُهُ العُظمى: بيانُ الحقِّ للنَّاسِ، والدُّعوَةُ إلى اللهِ بالحكمَةِ والموعظَةِ الحسنَةِ، والصَّبرُ على أَذى المخالفينَ والمعاندينَ، معَ حفْظِ جماعَةِ المؤْمنينَ منَ التَّمزُّقِ والاحترابِ الدَّاخليِّ.
فالدَّاعيَةُ الرَّبَّانيُّ؛ يحمِلُ همَّ هدايَةِ الخلْقِ، لا هَمَّ السَّيطرَةِ على الأَتباعِ؛ ويُفتِّشُ عن أَبوابِ البلاغِ والبيانِ، لا عن عثراتِ المحبِّينَ والموافقينَ.
وقدْ قالَ اللهُ تعالى لنبيِّهِ ﷺ: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125].
فجعَلَ اللهُ طريقَ الدَّعوَةِ قائمًا على الحكمَةِ، والحُسنِ، وحُسنِ المجادلَةِ؛ لا على الغلظَةِ المجرَّدَةِ، ولا على العجلَةِ في إسقاطِ النَّاس، ولا على تضخيمِ الجزئياتِ حتَّى تُنسيَ الكلياتِ.
إنَّ الدَّاعيَةَ الصَّادِقَ؛ يعلَمُ أَنَّ خصومتَهُ الكُبرى معَ الباطِلِ لا معَ إخوانِهِ، ومعَ الجهْلِ لا معَ طُلَّابِ الحقِّ، ومعَ الانحرافِ لا معَ مَن أَخطأَ وهو يريدُ الصَّوابَ.
ولذلكَ؛ كانَ من فقهِ الدَّعوَةِ وبصيرتِها؛ أَن يُفرِّقَ بينَ المعادِي للحقِّ والمخطئِ في فهمِ الحقِّ، وبينَ المعانِدِ والمتأَوِّلِ، وبينَ صاحِبِ الهوى وصاحِبِ الزلَّةِ، وبينَ النَّاصِحِ الصَّادِقِ الذي يقصِدُ الإصلاحَ والخصْمِ المتربِّصِ الذي يريد يبتغي الإسقاطَ.
وليسَ من الحكمَةِ أَن يكونَ الدَّاعيَةُ شديدًا على أَتباعِهِ، ليِّنًا معَ أَعداءِ دعوتِهِ؛ يفتحُ أَبوابَ التَّأْويلِ للبعيدِ، ويُغلقُها في وجْهِ القريبِ؛ يَسَعُ المخالِفَ الكبيرَ حلمُهُ، ولا يَسَعُ أَخاهُ الصَّادقَ عذرُهُ؛ فهذا ميزانٌ مختلٌّ، ومنهجٌ يورثُ القسوَةَ والتَّفرُّقَ، ويجعَلُ الدَّعوَةَ بيئَةً طاردَةً لا حاضنَةً.
إنَّ أَتباعَ الدَّعوَةِ ليسوا مادَةً للتَّجريحِ والتَّخوينِ عندَ كلِّ خلافٍ، بلْ همْ أَمانَةٌ في عنقِ الدَّاعيَة؛ يُعلِّمُ جاهلَهم، ويُقوِّمُ مخطئَهم، ويصبرُ على ضعفِهم، ويُربِّيهم على الدَّليلِ والرَّحمَةِ والإنصافِ.
أَمَّا المعادونَ للحقِّ، والمصدُّونَ عن سبيلِ اللهِ، والمشوِّهونَ للدِّينِ؛ فهؤلاءِ يُواجَهونَ بالحجَّةِ والبيانِ، وبالصَّبرِ والثَّباتِ، لا بالانهزامِ ولا بالمداهنَةِ.
وقدْ قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل: 127].
فالصَّبرُ في سبيلِ الدَّعوَةِ إنَّما يظهَرُ عندَ الأَذى، وعندَ المعارضَةِ، وعندَ مكرِ الماكرينَ؛ لا أَن يتحوَّلَ إلى تسلُّطٍ على الأَتباعِ والمحبِّينَ!
ومن أَعظمِ الخللِ أَن يعجَزَ الدَّاعيَةُ عن الصَّبرِ على مخالفيهِ الحقيقيينَ، ثم يُفرِّغَ شدَّتَهُ فيمن حولَهُ من الصَّادقينَ والنَّاصحينَ.
والدَّعوَةُ لا تقومُ بكثرَةِ الصِّراخ، ولا بحدَّةِ العبارَةِ، ولا بتكثيرِ الخصومِ؛ بلْ تقومُ بصدْقِ المقصَدِ، وصحَّةِ العلمِ، وحُسنِ البلاغِ، وسعَةِ الصَّدرِ، وفقهِ المآلاتِ؛ فكمْ من داعيَةٍ فتحَ اللهُ بهِ قلوبًا؛ لأَنَّهُ جمعَ بينَ قوَّةِ الحقِّ ورحمَةِ الخلْقِ، وكم من متعجِّلٍ نفرَ النَّاسَ عن الحقِّ؛ لأَنَّهُ جعَلَ من نفسِهِ ميزانًا للدِّينِ، ومن جماعتِهِ معيارًا للولاءِ والبراءِ.
فالقاعدَةُ الجامعَةُ في هذا البابِ:
الدَّاعيَةُ الحقُّ شديدٌ في بيانِ الحقِّ، رحيمٌ بأَهلِ الحقِّ؛ صابِرٌ على أَذى المعاندينَ، ناصِحٌ للمخطئينَ، لا يجعَلُ الدَّعوَةَ ميدانًا لتصفيَةِ الحساباتِ، ولا الأَتباعَ موضعًا دائمًا للامتحانِ والاتهامِ.
فمَن أَرادَ أَن يكونَ داعيَةً على بصيرَةٍ؛ فليجعلْ همَّهُ هدايَةَ النَّاسِ لا كسرَهم، وتعليمَهم لا تعييرَهم، وجمعَ قلوبِ أَهلِ الحقِّ لا تمزيقَهم، ومواجهَةَ الباطلِ لا استنزافَ الصَّفِّ الدَّاخليِّ بالخلافاتِ الصَّغيرَةِ والمواقِفِ العابرَةِ.
اللَّهُمَّ! اجعلْنا دعاةً إلى الحقِّ برحمَةِ؛ قائمينَ بالبيانِ بحكمَةِ، صابرينَ في سبيلِكَ بِلا مُداهنَةٍ، رفقاءَ بإخوانِنا بِلا ضعْفٍ، أَقوياءَ على الباطلِ بِلا ظُلمٍ، واجعلْ أَعمالَنا خالصَةً لوجهِكَ الكريمِ.
عبدالله بن عبدالحميد الأثري

