»الحِكْمَةُ«: ميزانُ العقلِ، ونورُ البَّصيرَةِ، وقائِدَةُ الفِعلِ..

أَخي طالبَ العلمِ الصَّادقَ اللَّبيب!

اعلمْ - رحمكَ اللهُ - أَنَّ الحكمةَ مِن أَجلِّ ما يُؤتاه العبد، ومن أَعظمِ ما يُزيَّنُ به العقلُ والخلقُ والسُّلوكُ؛ إذ بها يُوضَعُ الشَّيْءُ في موضعِهِ، ويُؤتَى الأَمرُ من بابِهِ، وتُدرَكُ المصالحُ من غيرِ إفسادٍ، وتُدفَعُ المفاسدُ من غيرِ ظلمٍ ولا طيشٍ.

أَوَّلًا- حَدُّ الحكمَةِ؛ التَّعريفُ:

الحِكْمَةُ نورٌ في العقلِ والقلبِ؛ يُبصِرُ بهِ العبدُ الحقَّ، ويضعُ بهِ الأُمورَ في مواضعِها؛ فيقولُ حيثُ يَحسُنُ القولُ، ويسكتُ حيثُ يَحسُنُ السُّكوتُ، ويُقدِمُ حيثُ تكونُ المصلحَةُ، ويُحجِمُ حيثُ تكونُ المفسدَةُ؛ فهي إصابَةُ الحقِّ علمًا وعملًا، لا مجرَّدُ ذكاءٍ ولا حيلةٍ ولا تدبيرٍ دنيويٍّ؛ بل بصيرَةٌ راشدَةٌ تجمعُ بينَ معرفَةِ الحكمِ، وفقهِ الواقعِ، والنَّظرِ في المآلاتِ.

ثانيًا- ميزانُ الاعتِدالِ؛ الضَّوابِطُ:

الحِكمةُ خُلُقٌ وسطٌ، لا تقومُ إلَّا على ميزانٍ دقيقٍ، ومن أَهمِّ ضوابطِها:

١- أَن تكونَ منضبطةً بالحقِّ والشَّرعِ؛ فلا حكمةَ فيما خالفَ أَمرَ اللهِ تعالى.

٢- أَن تقومَ على علمٍ وبصيرة، لا على ظنٍّ ووهم.

٣- أن تُراعي المآلاتِ والعواقبِ؛ فلا يُقدِمُ صاحبُها إلَّا بعدَ نظرٍ وتقديرٍ.

٤- أَن تسيرَ بينَ طرفينِ مذمومينِ: الإفراطِ والتَّفريطِ.

* طَرَفُ الزِّيادَةِ؛ الجُبنُ والتَّردُّدُ:

إذا جاوزَ التَّفكيرُ حدَّهُ، وغرقَ الإنسانُ في تقديرِ الاحتمالاتِ دونَ حسمٍ؛ انقلبتِ الحكمةُ إلى خورٍ وتردُّدٍ؛ فيفوتُ الفضلُ، وتضيعُ الفرصُ طلبًا لكمالٍ متوهَّمِ، ويُلبِسُ صاحبُهُ عجزَهُ ثوبَ التَّعقُّل.

* طَرَفُ النُّقصانِ؛ التَّهوُّرُ والعجلَةُ:

وإذا نقصتِ الحكمةُ، وغابَ النَّظرُ في العواقبِ، اندفعَ الإنسانُ بغيرِ بصيرَةٍ إلى مواطنِ العطبِ؛ فيقعُ في التَّهوُّرِ والطيشِ، وهو مركبٌ صعبٌ يوردُ المهالكَ.

فالميزانُ الصَّحيحُ: أَن تكونَ الحكمةُ إقدامًا في موضعِ الإقدامِ، وإحجامًا في موضعِ الإحجامِ، لا يحكمها خوفٌ مُضعِفٌ، ولا حماسةٌ متهوِّرةٌ؛ بل الحقُّ معَ حُسْنِ التَّقديرِ.

ثالثًا- ثمراتُ الحكمَةِ ونتائِجُها:

مَن أُوتيَ الحكمةَ؛ فقدْ أُوتيَ خيرًا كثيرًا، ومن أَبرزِ آثارِها:

١- السَّدادُ في الرَّأْي: فلا يقولُ إلَّا صوابًا، ولا يعملُ إلَّا بما ينفَعُ.

٢- سلامَةُ العواقِبِ: لأَنَّهُ لا يتعجَّلَ، ولا يقتحمُ بِلا تقديرٍ.

٣- وضعُ الأُمورِ في مواضعِها: فيُحسنُ استعمالَ الشدَّةِ واللينِ، والصَّمتِ والكلامِ.

٤- هيبَةُ المقامِ: فالقلوبُ تميلُ إلى صاحبِ الرَّأْي الرَّصينِ، وتثقُ بحُسنِ تدبيرِهِ.

٥- حُسْنُ التَّأْثيرِ وكسبُ القلوبِ: لأَنَّ الحكمةَ تُدخِلُ المعاني من أَبوابِها المناسبَةِ.

٦- الثَّباتُ عندَ المواقفِ: فلا يستخفُّهُ الغضبُ، ولا تجرُّهُ العاطفَةُ المجرَّدَةِ.

٧- الرِّضا والطُّمأْنينَةِ: لأَنَّهُ بذلَ وُسعَهُ في موضعِهِ؛ فلا يكثرُ ندمُهُ على ما فات.الخُلاصَةُ: الحِكمةُ ميزانٌ دقيقٌ؛ تفصلُ شعرةٌ فيهِ بينَ الثَّباتِ والتَّبلُّدِ، والحزمِ والعنفِ، والتَّثبُّتِ والتَّردُّدِ، والشَّجاعَةِ والتَّهوُّرِ؛ فإذا استقامَ هذا الميزانُ؛ استقامتِ الأَقوالُ والأَفعالُ، وسلمَتِ العواقبِ، ورُزِقَ العبدُ رشدًا في دينِهِ ودنياهُ.

نسألُ اللهَ أَن يرزقَنا الحكمةَ في الأَقوالِ والأَعمال، وأَن يُلهمَنا رشدَنا، ويقينا شرَّ أَنفسِنا.

عبدالله بن عبدالحميد الأثري

Previous
Previous

»وظيفَةُ الدَّاعيَةِ«: نشرُ الحقِّ والصَّبرُ في سبيلِهِ..

Next
Next

حبلُ اللهِ الممدُودِ: »فقهُ صِلَةِ الأَرحامِ بينَ التَّأْصيلِ والتَّطبيقِ«..