اختلالُ الموازين: حين يُطارَدُ الوعيُ ويُكافَأُ الضَّجيج..

أَخي طالبَ العلمِ اللَّبيب!

اعلمْ أَنَّ من أَعظمِ فتنِ الأَزمنةِ: انقلابَ الموازين؛ حتى يُرى الحقُّ غريبًا، ويُحسبُ الوضوحُ تهمةً، وتُلاحَقُ البصيرةُ وكأَنَّها جريمة.

- نحنُ في زمنٍ يثقلُ فيهِ العلمُ على صاحبِهِ؛ لا لأَنَّهُ باطل، بل لأَنَّهُ «صادقٌ يعرِّي الواقع».

- ويُضيَّقُ على الوعي؛ لا لأَنَّهُ قاصر، بل لأَنَّهُ «كاشفٌ لزيفِ المشهد».

- ترى العاقلَ كلما ازداد فهمًا ضاقتْ بهِ السُّبل، وكأَنَّ البصيرةَ صارت ثمنًا للعزلَةِ!

- وفي المقابلِ؛ كلما خفَّ عقلُ المرء واتَّسعَ جهلهُ، فُتِحت لهُ الأَبواب؛ حتى يقتربَ من دوائرِ التَّأْثيرِ بقدرِ ما يبتعد عن الحقيقةِ.

لقدْ اختُطِفَتِ المعايير: فصارت الوقاحةُ جرأَة، والصخبُ تأثيرًا، وارتفاعُ الصوتِ بديلًا عن ارتفاعِ الفِكر.

* أَيُّ زمنٍ هذا؟! يُزاحِمُ فيهِ الضَّجيجُ الحكمة، ويُقدَّمُ فيهِ الجهلُ على العلمِ، ويُضَيَّقُ فيهِ على أَهلِ البصائرِ!

لكنْ؛ هنا يثبتُ المنهج، ويُختبرُ الصِّدق: فالمؤمنُ لا يقيسُ الحقَّ بكثرةِ الأَتباعِ، ولا يزنُ الصَّوابَ بسطوةِ الواقعِ، بل يردُّ الأَمرَ إلى ميزانِ الوحي: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾.

اعلمْ أَنَّ هذهِ الحال ليست فوضى عابرة؛ بل هي «مرحلةٌ من سننِ الابتلاء والتَّمحيص»؛ يُميِّزُ اللهُ فيها بين من يطلبُ الحقَّ لذاتِهِ، ومن يطلبُ القبولَ عندَ النَّاسِ.فلا تَغترَّ بانتفاشِ الباطل، ولا تَضِقْ بغُربةِ الحق؛ فالعلمُ نورٌ وإن حورِب، والحقُّ ثابتٌ وإن ضاق عليه الطريق.

* والسُّؤالُ الذي يُوجَّه إليك: هل ستثبتُ على الحقِّ وإن حوربت؟ أَم ستتنازلُ لتنالَ القبول؟

تذكَّر: إنَّ الغُربةَ ليست هزيمة، بل هي «وسامُ الصِّدق في زمنِ الانحراف».

الخلاصةُ:

- إذا اختلَّت الموازين؛ فاثبتْ أَنتَ على الميزان.

- وإذا ارتفعَ الضجيج؛ فارفعْ أَنتَ الحق.

- وإذا ضاقَ الطريق؛ فاعلم أَنَّك تمشي في الطريق الصَّحيح.

نسأَلُ اللهَ أَن يُبصِّرنا بالحقِّ، ويثبّتَنا عليهِ، وأَن يجعلنا من أَهلِ البصيرةِ في زمنِ الفتنَةِ.

عبدالله بن عبدالحميد الأثري

Previous
Previous

بينَ نقاءِ المتبوعِ وغلُوِّ الأَتباعِ: فتنَةُ الحاشيَةِ ومفاسِدُ التَّقديسِ..

Next
Next

تعظيمُ الشَّعائِرِ: بينَ انضِباطِ الأُصولِ وسُيولَةِ التَّأْويلِ..