تعظيمُ الشَّعائِرِ: بينَ انضِباطِ الأُصولِ وسُيولَةِ التَّأْويلِ..

أَخي طالبَ العلمِ اللَّبيب!

اعلمْ أَنَّ تعظيمَ الشَّعائِرِ ليسَ مسأَلَةً وجدانيَّةً مجرَّدَةً؛ بلْ هو أَصلٌ منهجيٌّ يقومُ عليهِ حفظُ الدِّينِ واستِقامَةُ العمَلِ.

* وقدْ قرَّرَ الوحيُ هذا الأَصلَ بوضوحٍ، فقالَ تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى القُلُوبِ﴾، وقالَ: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوها﴾. فدَلَّ ذلكَ على أَنَّ الأَحكامَ الشَّرعيَّةَ حدودٌ ملزمَةٌ، وأَنَّ تعظيمَها من صميمِ التَّقوى، لا من فضولِ التَّديُّنِ.

* ويؤَكِّدُ هذا المعنى ما ثبَتَ في حديثِ النُّعمانِ بنِ بشيرٍ - رضي اللَّهُ عنهُ - أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «الحَلَالُ بَيِّنٌ، والحَرَامُ بَيِّنٌ...»؛ وهو نصٌّ في أَنَّ أَصلَ التَّشريعِ قائمٌ على البيانِ والوضوحِ، وأَنَّ الإشكالَ لا ينْشأُ منَ النَّصِّ؛ بلْ من سوءِ تنزيلِهِ أَو توسُّعِ التَّأْويلِ فيهِ.

ومن هنا؛ يظهرُ الخللُ المنهجيُّ حينَ تعرضُ الأَحكامُ على أَنَّها مجرَّدُ «اجتِهاداتٍ فقهيَّةٍ» عابرَةٍ، أَو تُنزعُ عن مقاصدِها الكُلِّيَّةِ، أَو يتوسَّعُ في تأْويلِها تحتَ دعاوَى «فقهِ الواقعِ» أَو «الضَّرورَةِ» أَو «المصلحَةِ تقتضي» بِلا ضوابِطَ معتبرَةٍ؛ فليسَ كلُّ ما سمِّيَ مصلحَةً يكونُ مصلحَةً شرعًا، ولا كلُّ ضرورَةٍ يحتَجُّ بها تكونُ معتبرَةً؛ إذْ تقرَّرَ عندَ الأُصوليِّينَ أَنَّ «الضَّرورَةَ تُقدَّرُ بقدْرِها» وأَنَّ المصلحَةَ لا تُعتَدُّ إلَّا إذا شهِدَ لها الشَّرعُ، كما قَرَّرَهُ العلماءُ.

كما أَنَّ من أَخطَرِ مسالِكِ الانحِرافِ: تحريفَ الكلِمِ عن مواضعِهِ، وهو لا يقتصِرُ على تغييرِ الأَلفاظِ؛ بلْ يشمَلُ تغييرَ المعاني، وإخراجَ النُّصوصِ عن سياقاتِها، وتوظيفَها لخدمَةِ أَغراضٍ مُسبقَةٍ.

وَقَدْ نَبَّهَ العلماءُ إِلى أَنَّ تحريفَ النُّصوصِ يقعُ كثيرًا بتغييرِ دلالاتِها لا بتبديلِ أَلفاظِها.

وحينَ تُنزَعُ هيبَةُ النَّصِّ منَ القُلوبِ، وتُقدَّمُ التَّأْويلاتُ على ظواهِرِ الأَدلَّةِ؛ تتجرَّأُ النُّفوسُ على مُخالفَةِ الأَحكامِ، وتتحوَّلُ الحُدودُ إلى آراءٍ، وتذوبُ معالِمُ الدِّينِ في وعي العامَّةِ.

وهنا لا يكونُ الخطرُ في الخطأِ ذاتهِ؛ بلْ في تأْصيلِهِ وتبريرِهِ حتَّى يصيرَ منهجًا.والميزانُ في ذلكَ كلِّهِ واضِحٌ:

١- النَّصُّ يُفهمُ بالمقاصِدِ، لا يُلغى بها.

٢- الاجتِهادُ يُضبَطُ بالأُصولِ، لا يُترَكُ للأَهواءِ.

٣- تعظيمُ الأَحكامِ شرطٌ لبقاءِ أَثرِها في الواقِعِ.

خلاصَةُ القولِ: إِنَّ حفظَ الدِّينِ يبدَأُ من حفظِ ميزانِهِ، وحفظُ الميزانِ يكونُ بتعظيمِ النَّصِّ، ورَدِّ التَّأْويلِ إلى حُدودِهِ، وإبقاءِ الاجتِهادِ في إطارِهِ المشروعِ؛ فإذا اختَلَّ هذا الميزانُ، لم يبقَ منَ الشَّريعَةِ إلَّا اسمُها، وسقطَتْ هيْبتُها منَ القُلوبِ. واللَّهُ المستَعانُ!

اللَّهُمَّ! اجعَلنا من أَهلِ الصِّدقِ والعدْلِ، ولا تجعَلنا من أَهلِ الهوَى والتَّقلُّبِ، واجعلِ الحقَّ أَحبَّ إليْنا من أَنفُسِنا، وأَقرَبَ إليْنا من كلِّ شيءٍ.

عبدالله بن عبدالحميد الأثري

Previous
Previous

اختلالُ الموازين: حين يُطارَدُ الوعيُ ويُكافَأُ الضَّجيج..

Next
Next

حينَ يغيبُ الميزانُ؛ يضيعُ الحكمُ..