بينَ نقاءِ المتبوعِ وغلُوِّ الأَتباعِ: فتنَةُ الحاشيَةِ ومفاسِدُ التَّقديسِ..

أَخي طالبَ العلمِ الصَّادقَ اللَّبيب!

اعلمْ - رحمكَ اللهُ - أَنَّ من الابتلاءِ العظيمِ أَن يُبتلى القائِدُ الرَّفيقُ، أَو العالِمُ السَّمحُ، أَو الدَّاعيَةُ الهيِّنُ اللَّيِّنُ، بحاشيَةٍ من الأَقربينَ (ولَدٍ أَو أَخٍ أَو صديقٍ أَو مُموِّلٍ) ترى مصلحتها في «احتِكارِ ذاتِهِ» فتَبني بينَهُ وبينَ النَّاسِ جدارًا من القداسَةِ الزَّائفَةِ، وتحوِّلُ نورَ دعوتِهِ إلى ظُلمَةِ التَّعصُّبِ:

أَوَّلًا- مظاهِرُ الجِنايَةِ على القائِدِ والدَّعوَةِ:

١- صناعَةُ «الرَّجُلِ الأَوحَدِ»: حينَ تعمَلُ المنظومَةُ المحيطَةُ على إبرازِ القائِدِ بوصفِهِ النَّسيحَ وحدَهُ، وتتعمَّدُ تغييبَ أَيِّ كفاءَةٍ أُخرى قدْ تُزاحمُهُ في المكانَةِ، وهذا ليسَ حُبًّا فيهِ؛ بلْ هو «تحصينٌ لمكاسبِهِمْ» التي يستمِدُّونَها من قُربهِمْ إليهِ.

٢- تأْليهُ المكانَةِ (القداسَةُ): حينَ يمنعونَ النَّاسَ من نقدِهِ أَو توجيهِ النَّصيحَةِ إليهِ، ويصوِّرونَ كلَّ رأْيٍ مخالفٍ لهُ على أَنَّهُ طعنٌ في الدَّعوَةِ؛ فيتحوَّلُ العالمُ من «مُعَلِّمٍ» إلى «معبودٍ» وتفقِدُ الجماعَةُ رُوحَ الشُّورى.

٣- تجفيفُ المنابعِ وتحطيمُ المواهبِ: وهي الشَّنيعَةُ الكُبرى؛ حينَ يُحاربونَ كلَّ «ناشئٍ» يبرُزُ، وكلَّ «عَقْلٍ» يتفتَّحُ، خوفاً من أَن يخطَفَ الأَضواءَ؛ فتبقى الدَّعوَةُ عقيمًا لا تلِدُ إلَّا أَتباعًا، ولا تخرِّجُ قادَةً.

ثانيًا- مفاسِدُ هذا الـمسلَكِ (الأَمراضُ التَّاريخيَّةُ):

١- عَزْلُ القَائِدِ عَنِ الوَاقِعِ: يَصِيرُ القَائِدُ أَسِيراً لِمَا يَنْقُلُونَهُ هُمْ، فَيَرَى بِأَعْيُنِهِمْ وَيَسْمَعُ بِآذَانِهِمْ، فَيَفْقِدُ مِيزَانَ الحُكْمِ عَلَى الرِّجَالِ وَالأَحْدَاثِ.

٢- تَحْوِيلُ المَالِ وَالجَاهِ إِلَى قُيُودٍ: حِينَ يَتَحَكَّمُ «المُشْرِفُونَ بِالمَالِ» فِي مَسَارِ الدَّعْوَةِ، فَيَصِيرُ القَرَارُ مَرْهُوناً بِمَزَاجِ المُمَوِّلِ لَا بِمَقَاصِدِ الشَّرْعِ.

٣- انفِضاضُ المخلصينَ: حين يرى أَهلُ الصِّدقِ والأَمانةِ أَنَّ الطَّريقَ إلى القائِدِ مسدودٌ بأَهلِ المصالحِ، ينسحِبونَ في صمتٍ؛ فتفرُغُ الدَّعوَةُ من جوهرِها، وتبقى قشرَةً برَّاقَةً.

ثالثًا- مسؤُوليَّةُ القائِدِ (الواجِبُ الشَّرعيُّ):

إنَّ كونَ القائِدِ «طيِّبًا» أَو «هيِّنًا» لا يعفيهِ من المسؤُوليَّةِ أَمامَ اللهِ؛ فاللِّينُ معَ الأَتباعِ فضيلَةٌ، ولكنَّ التَّغافُلَ عن «تغوُّلِ الحاشيَةِ» جريرَةٌ.

الواجِبُ: أَنْ يهتكَ ستارَ القداسَةِ بنفسِهِ، وأَن يُقرِّبَ من يخالفُهُ الرَّأْيَ أَكثرَ ممَّنْ يوافقُهُ، وأَن يجعَلَ مِعيارَ القربِ منهُ «الكفاءَةَ والصِّدقَ» لا «القرابَةَ والولاءَ الشَّخصيَّ».

خُلاصَةُ القولِ: إنَّ الدَّعواتِ تموتُ حينَ تتحوَّلُ إلى «أَشخاصٍ» وتحْيا حينَ تبقى «مبادِئَ» وإنَّ أَخطرَ مَن يطعَنُ الدَّعوَةَ هو ذاكَ الَّذي يمدَحُ صاحِبها بما ليسَ فيهِ، ويقطَعُ الطَّريقَ على مَن هو خيرٌ منهُ ليبقَى هو «المقرَّبُ الوحيدُ».

اللهمَّ! إنَّا نعوذُ بك من غلوٍّ يُفسِدُ القلوب، ومن بطانةٍ تُزيِّنُ الباطلَ باسمِ المحبَّة، ومن تعظيمٍ للأَشخاصِ يقطعُ طريقَ الحق.

اللهمََّ أَصلِحِ الرؤوسَ ومَن حولهم، وافتحْ لهم أَبوابَ النُّصح، واصرفْ عنهم أَهلَ التلميعِ والتعصُّب، واجعلِ الدَّعوةَ قائمةً على الهدى والعدل، لا على الهالةِ والأَسماء.

عبدالله بن عبدالحميد الأثري

Previous
Previous

ميزانُ الصِّدْقِ: عِمادُ الدِّينِ وسِرُّ النَّجاةِ..

Next
Next

اختلالُ الموازين: حين يُطارَدُ الوعيُ ويُكافَأُ الضَّجيج..