سُنَّةُ التَّداولِ وآفةُ الانحرافِ: في نقدِ الكياناتِ والمشاريعِ..
أَخي طالبَ العلمِ اللَّبيب!
اعلمْ أَنَّ من سُننِ اللهِ تعالى في التَّاريخِ والاجتماعِ أَنَّ النِّعمَ لا تدومُ مع تبدُّلِ أَسبابِها، وأَنَّ صفاءَ البداياتِ لا يعصِمُ أَيَّ مشروعٍ منَ الانحرافِ إذا تغيَّرَ ما بالنُّفوسِ، ووقعَ التَّنازُعُ، وظهرَتِ ازدِواجيَّةُ المعاييرِ، واتَّسعَتِ الفجوَةُ بينَ الشِّعارِ والممارسَةِ.
قالَ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حتَّىٰ يُغَيِّرُوا ما بأَنفُسِهِمْ﴾.
وقالَ: ﴿ولا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ ريحُكُمْ﴾.
فدلَّ ذلكَ على أَنَّ التَّغيُّرَ الخارجيَّ مرتبِطٌ بتغيُّرٍ داخليٍّ، وأَنَّ الفشلَ لهُ أَسبابٌ مضمونَةٌ في سُنَنِ اللهِ.
ولهذا لم يأْتِ الشَّرعُ بوعدٍ لبقاءِ صورَةٍ سياسيَّةٍ أَو تنظيميَّةٍ بعينِها؛ بلْ قرَّرَ سُنَّةَ التَّداولِ، قالَ تعالى: ﴿وتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ وربطَ دوامَ القوَّةِ بالعدْلِ والصِّدقِ والطَّاعَةِ ووحدَةِ الصَّفِّ.
وقدْ جاءَ في السُّنَّةِ ما يؤَكِّدُ ذلكَ، في حديثِ النُّعمانِ بنِ بشيرٍ رضي اللهُ عنهُ: «تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ... ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ... ثُمَّ يَكُونُ مُلْكًا عَاضًّا.. ثُمَّ مُلْكًا جَبْرِيًّا...».
وهو دالٌّ على أَنَّ الانتِقالَ منَ الأَكملِ إلى ما دونَهُ سُنَّةٌ واقعَةٌ عندَ تضييعِ الأُصولِ وتغيُّرِ المعاييرِ.
وكذلكَ الحركاتُ الإصلاحيَّةُ؛ فإنَّها تبدَأُ - غالبًا - بصدْقِ القصْدِ، وقوَّةِ الباعِثِ، وقربٍ منَ النَّاسِ، ثمَّ يدخُلُها ما يدخُلُ البشرَ من حبِّ البقاءِ، وتعظيمِ الكيانِ، والتَّعصُّبِ والجمودِ، وضعفِ المحاسبَةِ، وغيابِ المراجعَةِ؛ فتنْتَقِلُ من خدمَةِ الرِّسالَةِ إلى خدمَةِ ذاتِها، ومن حفظِ الميزانِ إلى الدِّفاعِ عنِ الاختلالِ!
وعندئِذٍ لا يكونُ الإصلاحُ في تقديسِ الماضي، ولا في إنكارِ الأَخطاءِ؛ بلْ في الرُّجوعِ إلى الأُصولِ، وإحياءِ الميزانِ الشَّرعيِّ، وتفعيلِ المحاسبَةِ، وتجديدِ المنهجِ، وتقديمِ الحقِّ على الكيانِ.
وإلَّا تحوَّلَتِ الحركَةُ - شيئًا فشيئًا - من أَداةِ إصلاحٍ إلى جُزءٍ منَ الأَزمَةِ التي نشأَتْ أَصلًا لعلاجِها!
اللَّهُمَّ! إِنَّا نعوذُ بكَ منَ التَّعصُّبِ، ومن تقديمِ الكيانِ على الحقِّ، ومن أَنْ نُدافِعَ عنِ الخطأِ، أَو نُبرِّرَ الانحرافَ.
اللَّهُمَّ! ارزُقْنا شجاعَةَ المراجعَةِ، وصِدْقَ المحاسبَةِ، وجُرأَةَ الرُّجوعِ إلى الحقِّ إذا تبيَّنَ.
عبدالله بن عبدالحميد الأثري

