ميزانُ النَّجاةِ وفِقهُ الائتلافِ: في ردِّ الفتوى إلى حياضِ الأُصولِ..

أَخي طالبَ العلمِ اللَّبيب!

اعلمْ أَنَّ زمنًا كهذا - كما أَخبرَ ﷺ - تختلطُ فيهِ الأَصواتُ، وتتدافعُ فيهِ التأْويلاتُ، وتُستدعى فيهِ النُّصوصُ على غيرِ مقاصدِها، هو أَحوجُ ما يكونُ إلى ميزانٍ راسخٍ، وبصيرةٍ نافذةٍ، وعلمٍ يُحسنُ تنزيلَ الحقائقِ على واقعٍ متلاطمٍ.

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾.

وقال سفيانُ الثوريُّ رحمه الله: (إنما العلمُ عندنا الرُّخصةُ من ثقة؛ فأَمَّا التَّشديدُ فيُحسنه كلُّ أَحد).

أَوَّلًا- فقهُ الائتلافِ وفريضةُ الاجتماع:

إنَّ الواجبَ في زمانِ الملاحمِ يقتضي جَمعَ الشَّتاتِ تحتَ رايةِ «البيتِ السُّنِّيِّ»؛ فكلُّ نزاعٍ داخليٍّ في وقتِ الزَّحفِ هو مَدَدٌ للعدوِّ! وحيثُ استُهدفتِ البَيضةُ، وتعاظمَ الخَطبُ بين عدوِّ «الشَّرقِ والغربِ» كانَ الاشتغالُ بالجزئيَّاتِ خَللًا في الفقهِ، وانصرافًا عن مقتضى الواجبِ.

ثانيًا- نقضُ الفتاوى المختزلة (مشروعية التحالف مع الخصم):

ففي خِضَمِّ الأَحداثِ، تتكرَّرُ فتاوى تدعو إلى الاصطفافِ مع «المشروعِ الإيرانيِّ التَّوسُّعيِّ» وميليشياتِهِ الإجراميَّةِ؛ مستندةً إلى معيارٍ أَعوجَ وحكمٍ مُختزَلٍ؛ بدعوى «دفعِ الضَّررِ الأَكبرِ بالأَصغرِ» وبحجةِ إنَّها دولةٌ تنتسبُ إلى الإسلامِ - على ما فيها من انحرافٍ - في مواجهةِ قوىً تُوصَفُ بالكفرِ الصريحِ. وهي دعوى تُوهِمُ الإحكامَ وتُخفي الاضطرابَ؛ لتجاهُلِها معاييرَ لا ينهضُ الاجتهادُ إلَّا بها، ولا تستقيمُ الفتوى السِّياسيةُ بغيرِ استحضارِها:

١- ميزانُ الأُصول: إنَّ تسويةَ الانحرافاتِ العقديةِ تحتَ عنوانِ «البدعةِ» تسويةٌ مُخِلَّةٌ؛ ففي تلك المقولاتِ ما يمسُّ أُصولَ الدِّينِ ويطعنُ في خيارِ الأَمَّةِ. وقد قال الإمامُ مالكٌ: (لن يُصلِحَ آخِرَ هذهِ الأُمَّةِ إلَّا بما صلحَ بهِ أَوَّلُها).

٢- تمايزُ العداوات: ليس مَن لا يعملُ على تغييرِ عقائدِ الناسِ كَمَن يجعلُ ذلك مشروعًا يسلكُ إليه سُبُلَ القهرِ والتأثيرِ. وإغفالُ هذا الفرقِ إهدارٌ لأَخطرِ معاييرِ النظرِ.

٣- واقعيةُ الضرر: إنَّ «الضررَ» ليس مفهومًا نظريًا، بل هو دماءٌ تُسفكُ وأَوطانٌ تُفكَّكُ؛ فمَن لم يُدخلْ هذهِ الوقائعَ في ميزانِهِ، فقد حكَمَ بغيرِ تمامِ علمٍ، وقاسَ بغيرِ تمامِ إدراكٍ.

ثالثًا- مِحنةُ تبريرِ الواقعِ بلباسِ الشرع:

إنَّ أَعظمَ ما يُخشى هو أَنْ تُكسى هذهِ المقارباتُ لباسَ الشرعِ؛ فتتحوَّلَ الفتوى من ميزانٍ يُقوِّمُ الواقعَ إلى أَداةٍ تُبرّرُهُ. وإيَّاكَ أَنْ تتكلَّمَ في مسأَلةٍ ليسَ لكَ فيها إمامٌ؛ فمن أَينَ جاءَ هؤلاءِ بـ «إمامٍ» يُجوِّزُ الاصطفافَ مع مَن استباحَ الحرماتِ ومسخَ العقيدة، وقلبَ حقائق الدِّينِ، وأَفسدَ عقائد النَّاس؟

الخاتمة: فيا أَخي اللَّبيب! ليس الشَّأْنُ أَنْ تُسارعَ إلى حكمٍ يوافقُ ظاهرَ المعطياتِ، بل أَنْ تُحكمَ النظرَ وتستوعبَ الواقعَ في كليَّتِهِ؛ إنَّ الواجبَ هو إعادةُ ضبطِ ميزانِ الفتوى السياسيةِ؛ تحريرًا للمفاهيمِ، وتعميقًا لفهمِ الواقعِ.

فإنَّ الخطأَ في هذا المقام لا يقفُ عند حدودِ القول؛ بل يتجاوزُه ليبلغَ مصائرَ الأُمم، ويُعيدَ تشكيلَ وجهةِ التاريخ؛ من حيث لا يُحتسَب.

اللَّهُمَّ! لا تجعَلنا ممَّنْ يلبِسُونَ الحقَّ بالباطِلِ، ولا ممَّنْ يُضِلُّونَ النَّاسَ بغيرِ علمٍ، واجعَلنا من أَهلِ الصِّدقِ والعَدْلِ والبصيرَةِ.

عبدالله بن عبدالحميد الأثري

Previous
Previous

سُنَّةُ التَّداولِ وآفةُ الانحرافِ: في نقدِ الكياناتِ والمشاريعِ..

Next
Next

ميثاقُ الأَولويَّاتِ: معالمُ النَّهضَةِ ومناراتُ الاستِقامَةِ..