ميثاقُ الأَولويَّاتِ: معالمُ النَّهضَةِ ومناراتُ الاستِقامَةِ..

أَخي طالبَ العلمِ اللَّبيب!

اعلمْ أَنَّ فقهَ الأَولويَّاتِ علمٌ ربانيٌّ؛ من أَجلِّ العلومِ قدْرًا، وأَعظمِها نفعًا، وأَدقِّها مسلكًا؛ بهِ تُعرَفُ مراتبُ الأَعمال، وتُقدَّرُ المصالحُ والمفاسدُ، ويُميَّزُ بين الأَهمِّ والمهمِّ، ويُقدَّمُ ما حقُّهُ التَّقديمُ، ويُؤخَّرُ ما حقُّهُ التَّأْخيرُ.

وهو ميزانُ الشَّريعةِ في تنزيلِ الأَحكامِ، وضابطُ السَّيرِ في واقعِ الأُمَّةِ؛ تُوزَنُ بهِ الوقائعُ بين مقاصدِ الدِّينِ الكليَّةِ وقواعدِ السِّياسةِ الشَّرعيَّةِ؛ فلا تُقدَّمُ الجزئيَّاتُ على الكلِّيَّاتِ، ولا يُقدَّمُ المهمُّ على الأَهمِّ، ولا يُشتغلُ بالفروعِ عندَ تهديدِ الأُصولِ.

فمَن فُقِّهَ في هذا البابِ؛ استقامَ نظرُهُ، واعتدلَ ميزانُهُ، وسَلِمَ من الاضطرابِ في الحكمِ؛ ومَن حُرِمَهُ، اضطربَ سعيُهُ، واختلَّ تقديرُهُ، وإن حسُن قصدُهُ:

١- محوَرُ التَّوحيدِ؛ من رِقِّ الخَلْقِ إِلى عِزِّ الحقِّ:

أَوَّلُ الواجباتِ وأَعظمُ الأَولوياتِ: إخلاصُ العبوديَّةِ للهِ تعالى؛ بـنفي الشِّركِ في «قُبورِ الوثنيَّةِ» و«قُصورِ التَّشريعِ الوضعي»؛ فمعركةُ الإصلاحِ الإيمانيِّ أَصلُ كلِّ إصلاحٍ، وهي المتقدِّمةُ على سائرِ الميادين، وتحريرُ الإنسانِ لا يبدأُ إلَّا بـفَكِّ أَغلالِ العبوديَّةِ لغيرِ الواحدِ الدَّيانِ؛ فهو سبيلُ التَّمكينِ، وحِرْزُ الدُّعاةِ، وأَمانُ المجتمعات.

٢- محوَرُ المنهَجِ؛ الرُّجوعُ إِلى الأَمرِ الأَوَّلِ:

جوهرُ الإصلاحِ؛ لزومُ ما كانَ عليهِ الرَّعيلُ الأَوَّلِ: «مَا أَنا عليْهِ اليومَ وأَصحابي».

فالمرابطةُ على منهجِ السُّنَّةِ ثباتٌ لا يلينُ، واعتصامٌ لا يهونُ؛ لا يُباعُ في سوقِ المصالحِ، ولا يُحرَّفُ تحت ضغطِ السِّياساتِ؛ بل هو حقٌّ قائمٌ، ودينٌ مُحكَمٌ، لا يتبدَّلُ بتبدُّلِ الأَحوالِ، ولا يتلوَّنُ بتلوُّنِ الرِّجالِ.

٣- محوَرُ المرجعيَّة؛ القيادَةُ العلميَّةُ الرَّبَّانيَّةُ:

تحتاجُ الأُمَّةُ إلى مرجعيَّةِ العلماءِ الرَّاسخينَ: تُجمَعُ بهم الكلمَةُ، وتُحفظُ بهم الموازينَ، ويُقدَّمُ بهم حقُّ الأُمَّةِ على مصالحِ الفئاتِ؛ فغيابُ القيادَةِ العلميَّةِ المستقلَّةِ؛ مهَّدَ لتصدُّرِ الجهلَةِ، وصناعَةِ رُموزٍ مزيَّفةٍ، واضطرابِ الفتوى والموقف.

٤- محوَرُ التَّجمُّعِ؛ استِعادَةُ التَّيَّارِ الإسلاميِّ الجامعِ:

تفعيلُ «عقيدةِ الولاءِ» يوجبُ تقارُبَ القُوى السُّنِّيَّةِ في كيانٍ جامعٍ يحفظُ الثَّوابتَ، ويجمعُ الكلمَةَ، ويُقدِّمُ الكلَّيَّاتِ على الجزئيَّاتِ؛ إذِ الاجتماعُ فريضَةٌ، والتَّفرُّقُ ضعفٌ ومفسدَةٌ، والانفرادُ عجْزٌ، والاعتصامُ بحبلِ اللهِ نجاةٌ؛ فلا مكانَ لصراعاتِ «الأَنا» ولا لمزاحمَةِ الثَّوابتِ بالمصالحِ الضَّيِّقَةِ.

٥- محوَرُ الخطابِ؛ النَّهضَةُ الشَّاملَةُ والشُّهودُ الحضاريُّ:

الانتقالُ من «ذرفِ الدُّموعِ إلى إيقادِ الشُّموع»؛ بخطابٍ يتجاوزُ الشِّعاراتِ المجمَلةِ إلى البرامجِ المفصَّلَةِ، ويجمعُ بين فقهِ الواقعِ وعلوِّ المقصدِ؛ خطابٌ «إنسانيُّ المنطلقٌ، عالميُّ الرُّؤيةِ» يرفضُ الهزيمةَ النَّفسيَّةَ أَمامَ الغربِ، ويُقدِّمُ نموذجًا عمليًّا للعدلِ والتَّنميَةِ في ظِلِّ الشَّريعَةِ الغراءِ.

الخلاصَةُ: إنَّ التَّحدِّياتِ بقدرِ الطموحاتِ، ولا نهضةَ بغيرِ إخلاصِ القصدِ وصِدقِ العملِ؛ فإلى «الأَمرِ الأَوَّلِ» عَوْدًا، وعلى ميزانِ الشَّريعةِ سَيْرًا، وعلى اللهِ قصدُ السَّبيلِ.

اللهمَّ! يا جامعَ الكلمةِ، ومؤلِّفَ القلوبِ، وحِّد صفَّنا على الحقِّ، وأَصلِح ذاتَ بيننا، وارزقنا فقهًا في الأَولويَّاتِ، وبصيرةً في النَّوازلِ، وثباتًا على الأُصولِ.

اللهمَّ! سدِّد أَقوالنا، وأَلِّف بين قلوبنا، واكفِنا شرَّ الفتن، وانصر دينك، واجعل لنا من أَمرنا رشدًا.

عبدالله بن عبدالحميد الأثري

Previous
Previous

ميزانُ النَّجاةِ وفِقهُ الائتلافِ: في ردِّ الفتوى إلى حياضِ الأُصولِ..

Next
Next

فقهُ الائتلافِ: الائتلافُ أَو الفناءُ: ميزانُ النَّجاةِ في زمنِ الفتنِ..