فقهُ الائتلافِ: الائتلافُ أَو الفناءُ: ميزانُ النَّجاةِ في زمنِ الفتنِ..

أَخي المرابطَ الصَّادقَ اللَّبيب!

إذا ادلهمَّتِ الملاحمُ على الأُمَّةِ، وتكالبَتْ عليها الخصومُ من كلِّ حدَبٍ وصَوْب - كما هو حالُنا اليومَ بين عدوِّ الشَّرقِ والغربِ - تعيَّنَ شرعًا وعقلًا على أَبنائِها؛ جمعَ الشَّتاتِ تحتَ رايةِ «البيتِ السُّنِّيِّ»؛ إذْ كلُّ نزاعٍ داخليٍّ في وقتِ الزَّحفِ هو مدَدٌ للعدوِّ، وكلُّ اشتغالٍ بالفروعِ عندَ مَسِّ الأُصولِ هو خَلَلٌ في البصيرةِ، وعَجزٌ في فقهِ المآلاتِ.

ففي زمنِ النَّازلَةِ؛ تضييقُ ميدانِ الجدل، وإسقاطُ صغائرِ النزاعِ؛ إذ لا يُشتغلُ عندَ تهديدِ الأُصولِ بما هو من جنسِ الفروعِ؛ فالشريعةُ قائمةٌ على ترتيبِ المصالحِ والمفاسدِ، وتقديمِ الكليَّاتِ على الجزئيَّاتِ، والضَّروريَّاتِ على الحاجيَّاتِ؛ وعند التزاحمِ يُقدَّم الأَهمُّ فالأَهمّ، ويُدفع أَعظمُ الضررين بارتكاب أَدناهما.

وعليه؛ فلا يُلتفتُ في زمنِ الاستئصال إلى ما يُفرِّق الكلمة، بل إلى ما يجمعُها، ولا إلى ما يُضعِف القوَّة، بل إلى ما يُقوِّيها، ولا إلى ما يُشتّت الجهد، بل إلى ما يحفظُ الأُصول، ويصونُ الكيان، ويدفعُ العدوان.

فحيثُ استُهدفت البيضة، وتعاظم الخطب؛ كان الاشتغالُ بالجزئيات خللًا في الفقه، وانصرافًا عن مقتضى الواجب؛ إذ المقصودُ حينئذٍ حفظُ الجماعة، وسدُّ الثغور، وتحصينُ الكيان، حتى لا يُهدم البنيانُ من داخله قبل أَن يُنالَ من خارجه.

اللهمَّ! ادفع عنَّا الفتنَ ما ظهرَ منها وما بطن، واكفِنا شرَّ الأَعداء، وأَبرِم لهذه الأُمَّة أَمرَ رُشدٍ يُعَزُّ فيه أَهلُ طاعتك، ويُهدى فيه أَهلُ معصيتك، ويُؤمرُ فيه بالمعروف، ويُنهى فيه عن المنكر.

اللهمَّ! ارزقنا فقهًا في الدِّين، وبصيرةً في الواقع، وثباتًا على الحقِّ، وحكمةً في التنزيل، واجعلنا ممَّن يجمعون بين العلمِ والعمل، وبين الصِّدقِ والإخلاص.

عبدالله بن عبدالحميد الأثري

Previous
Previous

ميثاقُ الأَولويَّاتِ: معالمُ النَّهضَةِ ومناراتُ الاستِقامَةِ..

Next
Next

فقهُ النَّوازِلِ: بينَ ضبطِ المقاماتِ وترتيبِ الأَولويَّاتِ..