فقهُ النَّوازِلِ: بينَ ضبطِ المقاماتِ وترتيبِ الأَولويَّاتِ..
أَخي طالبَ العلمِ اللَّبيب!
اعلمْ أَنَّ فقهَ النَّوازلِ في التَّعاملِ مع «البيتِ السُّنِّيِّ» يفتقرُ اليومَ - في تنزيلِ الأَحكام - إلى استحضارِ الخبرةِ الميدانيَّة، كما يفتقرُ إلى تحريرٍ علميٍّ منضبط؛ ولا يُغني أَحدُهما عن الآخر؛ بل لا يستقيمُ النَّظرُ، ولا يصحُّ التَّنزيلُ، إلَّا باجتماعهما على ميزانٍ دقيقٍ.
ومن هنا كان لزامًا التَّفريقُ بين ثلاثةِ مقاماتٍ يجبُ ضبطُها؛ حتى لا تختلطَ الأَحكامُ، ولا تُنزَّلَ في غيرِ مواضعِها:
أَولًا- مقامُ الاعتقادِ والتَّقويمِ العلميِّ:
وفيهِ يُبيَّنُ الحقُّ، وتُحفظُ الأُصول، ويُميَّزُ بين الصَّحيحِ والفاسدِ؛ بِلا مُداهنَةٍ ولا تمييعٍ.
ثانيًا- مقامُ الاجتماعِ السُّنِّيِّ:
وهو الأَصلُ الذي تُشدُّ إليهِ الرِّحالِ وينبغي تقديمُهُ؛ توحيدًا للكلمَةِ، وجمعًا للجهودِ، وسدًّا لثغورِ التَّنازعِ، وحفظًا لقوَّةِ الصَّفِّ من التآكلِ الدَّاخليِّ والتَّصدّعِ، ولا سيما في زمنِ ضعفِ الأُمَِّة، وتكالبِ الأَعداء عليها.
ثالثًا- مقامُ التَّعاملِ عندَ النَّوازلِ:
وفيهِ تُوزَنُ الوقائعُ بميزانِ الحِكمةِ، وتُقدَّرُ المصالحُ والمفاسدُ بدقَّة، وتُرتَّبُ الأَولويَّاتُ بحسبِ أَهميِّتها؛ فيُختارُ خيرُ الأَمرين، ويُدفَعُ أَعظمُ الشَّرَّينِ بأَخفِّهما، وكلُّ ذلكَ معَ حفظِ الأُصول وعدمِ الإخلالِ بها، وصيانةِ الهُويَّةِ، واجتنابِ التَّمييعِ والذَّوبانِ بغيرِ ضوابط؛ ثباتًا على الحقِّ، وإحكامًا في الموقفِ، وبصيرةً في التَّنزيلِ.
وعلى هذا؛ فليس كلُّ تباينٍ في الأُصولِ يستلزمُ انقطاعَ جميعِ صورِ التَّعاملِ في كلِّ حال، كما أَنَّ أَيَّ صورةِ تعاملٍ لا تعني تسويةً في الاعتقادِ، ولا إذابةً للهُويَّةِ.
فالميزانُ الصَّحيح: ثباتٌ على الأُصولِ، وتمييزٌ في الاعتقادِ، مع اجتماعٍ مُنضبطٍ عندَ الضَّروراتِ؛ يُقصدُ بهِ دفعُ الضَّررِ الأَكبر، لا تمييعُ الحقِّ ولا التَّفريطُ فيهِ، ودونَ موالاةٍ ولا إذابةٍ للهوية.
اللهمَّ! يا مُؤلِّفَ القلوب، ويا جامعَ الشَّتات؛ اجمع كلمتَنا على الحقِّ، ووحِّد صفَّنا على الهُدى، وأَصلِح ذاتَ بينِنا، وادفع عنَّا أَسبابَ الفُرقةِ والنِّزاع.
اللهمَّ! أَرِنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعه، وأَرِنا الباطلَ باطلًا وارزقنا اجتنابَه، ولا تجعله مُلتبسًا علينا فنضلَّ.
اللهمَّ! أَلِّف بين قلوبِ أَهلِ السُّنَّة، وسدِّدهم في أَقوالِهم وأَفعالِهم، واجعل اجتماعَهم اجتماعَ هُدى، وتفرُّقهم - إن وقع - تفرُّقَ عافيةٍ لا فُرقةَ قلوب.. آمين!
عبدالله بن عبدالحميد الأثري

