ميثاقُ الائتِلافِ: الوحدَةُ والأُخوَّةُ بين أَهلِ السُّنَّةِ؛ بوَّابَةُ النَّصرِ المنشُودِ..

أَخي الصَّادقَ السَّاعي لعزَّةِ الإسلامِ ورِفعتِهِ!

اعلمْ أَنَّ نصرَ اللهِ ليسَ هِبةً للأَشتاتِ، ولا عطيَّةً للخُصوماتِ؛ بلْ ثمرةٌ لا تُجنى إلَّا بوحدَةِ الوجهَةِ، واجتماعِ الكلمَةِ، وصدْقِ الأُخوَّةِ؛ فدينٌ صفَّهُم في العبادَةِ، لا يرضَى لهم التَّفرُّقَ في المواقفِ، وشريعةٌ أَقامتْهُم صفًّا في الصَّلاةِ، لا تقبلُ أَن يتفرَّقوا صُفوفًا في المواجهَةِ.

أَوَّلًا- الوحدَةُ رُكنٌ في التمكينِ لا فضيلةٌ ثانويَّةٌ:

إنَّ الناظرَ في نصوصِ الوحي يجدُ أَنَّ اللهَ ربطَ الفشلَ بالتنازع ربطَ العِلَّةِ بمعلولِها؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾. فالتنازعُ ليس مجرَّدَ خلافِ رأي؛ بل هو مِعولُ هدمٍ يَمتصُّ قوّةَ الأُمَّةِ (ريحَها) ويتركُها جسدًا واهيًا أَمام خصومها. وإنَّ نصرَ اللهِ لا يتنزَّل على قلوبٍ متنافرة، وإنِ اصطفَّت أَجسادُها في المحاريب؛ لأَنَّ اجتماعَ الصور لا يُغني عن تفرُّقِ السرائر، ووحدةَ الصفِّ الظاهرة لا تُثمر ما لم تُسندها وحدةُ القلوب والوجهة.

ثانيًا- الأُخوَّةُ الإيمانيَّةُ «مَحضنُ» القوَّةِ:

لقدْ بدأَ النَّبيُّ ﷺ بناءَ دولتِهِ في المدينَةِ بـ «الـمؤاخاةِ» قبلَ السِّنانِ؛ ليقينِهِ أَنَّ الصَّفَّ المخترقَ من الدَّاخلِ لا يَثبتُ أَمامَ عدوٍّ من الخارجِ؛ فالأُخوَّةَ ليسَتْ شعارًا عاطفيًا يُتغنَّى بهِ، بل هي «سياجٌ أَمنيٌّ» يحفظُ الصَّفَّ، ويمنعُ تسلُّلَ الوهْنِ، ويغلقُ أَبوابَ الخلَلِ والخيانَةِ.

والمنهجُ العلميُّ يقررُ أَنَّ الأُمَّةَ كـالبنيانِ، إذا تفككتْ لبناتُهُ صارَ رُكامًا، وإنْ كانتْ كلُّ لبنةٍ فيهِ صلبةً في ذاتِها؛ فلا تغني صلابَةُ الأَفراد مع تفرُّق الصُّفوفِ، ولا تقوم القوَّةُ إلَّا على وحدةٍ متماسكةٍ تُسنِد بعضها بعضًا.

ثالثًا- فقهُ الائتلافِ في مسائِلِ الخلافِ:

من أَكبرِ عوائقِ النَّصرِ: «الغُلوُّ في المسائِلِ الاجتهاديَّةِ» وجعلُها ميدانًا للمفاصلَةِ والولاءِ والبراء.

فليسَ من الحكمةِ أَن تُجعَلَ مسائِلُ الاجتهادِ ساحةَ صراعٍ، ولا أَن تُتَّخذَ الفروعُ أَسبابًا للقطيعَةِ والنِّزاعِ؛ فإنَّ ذلكَ يفرِّقُ الصُّفوفَ، ويُبدِّدُ الجهودَ، ويُقدِّمُ للأَعداءِ ما عجَزوا عن تحصيلِهِ بأَنفُسهم.

وإنَّما الرُّشدُ أَن نعتَصمَ بالأُصولِ، ونتَّسعَ في الفروعِ، ونجمعَ الكلمَةَ، وندْفعَ الفُرقَةَ؛ فنحفَظُ بذلكَ القوَّةَ من التَّآكلِ، ونوجِّهها حيثُ ينبغي: إلى مواجهَةِ العدوِّ، لا إلى استنزافِ الذَّاتِ.

رابعًا- التَّكالبُ الأُمميُّ يُوجِبُ الالتحامَ القدَريَّ:

حين يتداعى الأَكلةُ على قصعتِنا، ويَتسابقُ الخصومُ إلى نهشِ أَطرافِنا، لا يعودُ التَّشرذُمُ خطأً يُغتفَرُ، بل خيانةً للدِّينِ والدِّماءِ، ونقضًا لحقِّ الأُخوَّةِ والولاءِ؛ فإنَّ العدوَّ - إذا استباحَ البيضَةَ - لم يَسأَلْ عن مذهبٍ ولا انتماءٍ، ولم يُفرِّقْ بين فريقٍ وفريقٍ؛ فكلُّنا عندَهُ هدفٌ واحدٌ، وخصمٌ واحدٌ.فكيفَ يُعقَلُ أَن نَتَفرَّقَ وهو يجتمعُ علينا؟! وكيف نَشتغلُ بتصفيةِ الحساباتِ البينيَّة، وسهامُهُ تُصوَّبُ إلى صدورِنا؛ يقضمُ أَطرافَنا؟! إنَّ هذا لَعجزٌ في الفقه، وخَللٌ في الميزان، واستنزافٌ للقوَّةِ قبلَ أَن تُستعمَل.

فالوحدةُ اليومَ؛ ليسَتْ خيارًا ترفيًّا يُؤخَّذُ أَو يُترك، بل ضرورةٌ قدريَّةٌ، وفريضةٌ واقعيَّةٌ؛ بها يُحفَظُ الكيان، وتُصانُ البيضة، وتُسدُّ الثغور، وتُستَجمَعُ القوَّة، وتُرَدُّ غوائلُ العدوان.

الخلاصَةُ: إنَّ نصرَ اللهِ يَنزلُ على «الصَّفِّ الـمَرْصُوصِ» لا على القلوبِ الـمُشتَتَةِ.

والوحدَةُ لا تعني ذوبانَ الجميعِ في قالبٍ واحدٍ؛ بل تعني «تكاملَ الجهودِ» وسلامةَ الصُّدورِ وتوحيدَ القبلَةِ في مواجهَةِ التَّحدِّياتِ.

وقد قال ﷺ: «إنَّ يَدَ اللهِ مع الجماعَةِ، وإنَّما يأْكُلُ الذِّئْبُ مِنَ الغَنَمِ القاصيَةِ».

فالجماعةُ رحمةٌ، والفرقةَ نقمَةٌ، ومع الاجتماعِ تنزلُ المعونَةُ، وبالتَّفرُّقِ تُسلَبُ القوَّةُ.

فأحيوا رُوحَ الأُخوَّةِ في القلوبِ، وأَميتوا نَعراتِ الجاهليَّةِ، وأَطفئوا نيرانَ العصبيَّاتِ، وأَقْبِلوا على بـعضِكُم بـقلوبٍ سَليمَةٍ؛ يَقتربْ منكم نصرُ اللهِ الذي تَنْشدونَ، ويُفتحْ لكم من أَبوابِ التَّمكينِ ما وعَدَ بهِ الصَّادقينَ.

عبدالله بن عبدالحميد الأثري

Previous
Previous

فقهُ النَّوازِلِ: بينَ ضبطِ المقاماتِ وترتيبِ الأَولويَّاتِ..

Next
Next

ميثاقُ اليقينِ: عدمُ الاغترارِ بقُوَّةِ الخُصومِ والثِّقةُ بوعدِ القويِّ العزيزِ..