ميثاقُ اليقينِ: عدمُ الاغترارِ بقُوَّةِ الخُصومِ والثِّقةُ بوعدِ القويِّ العزيزِ..

أَخي المؤمنَ الموقنَ بربِّهِ العزيزِ!

اعلمْ أَنَّ أُمَّةً لا تخضَعُ في سُجودِها إلَّا لربِّها حقًّا، لا تُذَلُّ في صراعِها لغيرِهِ أَبدًا؛ فمَن صدقَ في عبوديَّتِهِ؛ ثبَتَ فِي مواجهتِهِ، ومَنْ اعتزَّ بربِّهِ؛ لم تكسِرْهُ قوَى الأَرضِ وإنِ اجتمعَتْ.

وإنَّ أَعظمَ عمى الأَبصارِ في زمنِ الفتنِ؛ أَن يُقاسَ الحقُّ بالقوَّةِ، وأَن تُعلَّقَ القلوبُ بالأَسبابِ وتُغفَلَ عن مُسبِّبِها؛ إذْ ليسَ أَخطرُ ما يملكهُ المستكبرونَ حدَّ السِّلاحِ، بلْ كسرَ اليَّقينِ، وبثَّ الوهنِ، حتى يُوهِموا النَّاسَ أَنَّ غلبةَ العدوِّ قدرٌ لا يُدفعُ، وأَنَّ سلطانَهُ لا يُنزعُ.

غيرَ أَنَّ المنهجَ الإيمانيَّ يسمُو فوقَ ذلكَ كلِّهِ؛ فيقرأُ الوقائعَ بنورِ الوحي، لا بظُلمَةِ الحساباتِ، ويُدركُ أَنَّ وراءَ الأَسباب مُسبِّبًا، ووراءَ الظَّواهرِ سُننًا لا تتبدَّلُ:

أَولًا- حقيقةُ القوَّةِ في ميزانِ التَّوحيدِ:

إنَّ المؤمنَ لا يغترُّ بانتفاخِ الباطلِ، ولا ينخدعُ بزخرفِ قوَّتِهِ؛ لأَنَّهُ يعلمُ أًنَّ القوّةَ جميعَها للهِ؛ فإذا استعلى الظالمُ بعتادِهِ، واستكبر بتقنيَّتِهِ، تذكَّر المؤمنُ قولَهُ تعالى: ﴿فأَمَّا عادٌ فاسْتَكْبَرُوا في الأَرضِ بغَيْرِ الحَقِّ وقالُوا مَنْ أَشَدُّ منَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وكانُوا بآياتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت: ١٥].

فانبهارُ القلوبِ بقوَّةِ العدوِّ غَبَشٌ في البَّصيرَةِ، وانصرافٌ عن شهود القاهر؛ وغفلةٌ عن عظمَةِ الخالقِ؛ إذ المخلوق - مهما علا وطغى وتجبر - يظلُّ تحت قهرِ المشيئةِ الإلهية، محكومًا بسُننٍ لا يُفلت منها، ومصيرٍ لا يخرج عن سلطان الله فيه. ولا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا إلا بإذنه، وأنَّ من تجبّر اليوم فمآله إلى ضعفٍ وانكسار.

ثانيًا- سُنَّةُ «الاستِدراجِ» و«المدافعَة»:

إنَّ تمكينَ الظالمِ ليسَ تكريمًا، بلْ قدْ يكونُ استدراجًا، يُمْهِلُ ولا يُهْمِلُ، ويُؤخِّرُ ولا يُعطِّلُ؛ حتى إذا أَخَذَ، أَخَذَ أَخْذَ عزيزٍ مُقتدرٍ؛ فلا يَهِنْ قلبُ مؤمنٍ، ولا تضعُفْ عزيمتُهُ؛ فإنَّ الهزيمةَ تبدأُ من داخلِ النَّفسِ قبلَ أَن تقعَ في ميدانِ الواقعِ.

وإنَّ اللهَ - جلَّ وعلا - يُداولُ الأَيامَ، ويُجري السُّنَنَ، ويختبِرُ القلوبً في أَزمنَةِ الاستضعافِ؛ ليَعلمَ مَن يثبُتُ على يقينِهِ، ومَن ينخدِعُ ببريقِ المادَّةِ؛ فيركعُ لعِجلها، ويغفُلُ عن ربِّهِ العظيمِ.

ثالثًا- شرطُ النَّصرِ «الصِّدقُ لا الكثرَةِ»:

لقدْ علَّمنا التَّاريخُ أَنَّ النَّصرَ؛ لا يُوهَبُ بكثرَةِ العدَدِ، ولا يُنالُ بتكافُؤِ العُدَّةِ.. ولكنْ يُستجلَبُ بصدْقِ الصِّلةِ، ويُستدَرُّ بإخلاصِ الوجهَةِ؛ فإذا صَدَقَتِ الأُمَّةُ معَ ربِّها، واستقامَتْ على أَمرِهِ، وأَخذَتْ بأَسبابها؛ أَمدَّها اللهُ من حيثُ لا تحتسِبْ، وفتحَ لها من أَبوابِ النَّصرِ ما لا يُدرَكُ بالحسابِ. قال تعالى: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَليلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩].

إنَّ القادرَ على نصْرِ هذهِ الأُمَّةِ المرحومَةِ لا يُعجزُهُ شيْءٌ، ولا يخفَى عليهِ أَمرٌ؛ ولكنْ أَينَ الصَّادقونَ إذا امتُحنوا؟ وأَين الصَّابرونَ إذا ابتُلوا؟ وأَينَ مَن ينهضونَ بحقِّ الوعْدِ؛ فيصدُقونَ في الطَّلبِ، ويثبُتونُ عندَ الكرْبِ، ويُجسِّدونَ الإيمانَ قولًا وعملًا؟

رابعًا- اليَّقينُ بأَنَّ العاقبةَ للمتَّقينَ:

المؤمنُ لا يُخدعُ ببريقِ اللَّحظَةِ، ولا يُقاسُ نظرُهُ بضيقِ السَّاعَةِ، ولا يقفُ عندَ عثراتِ الطَّريقِ؛ بلْ يُمدُّ بصرَهُ إلى المآلِ، ويزِنُ الأُمورَ بميزانِ العاقبَةِ؛ فلا تغرَّهُ بداياتٌ مُضطربَةٌ، ولا تُزعزِعُهُ مراحلُ عابرَةٌ.إنَّ انتفاخَ الباطلِ كزَبَدٍ رابٍ، يعْلو ساعةً ثمَّ يذهَبُ جُفاءً، وما ينفَعُ النَّاسَ يمكثُ في الأَرضِ، والحقُّ - وإن خفيَ - يبقَى ويستقِرُّ؛ فهذِهِ سُنَّةٌ لا تتخلَّفُ، وقاعدَةٌ لا تتبدَّلُ؛ فلا يَهُولنَّكَ عجيجُ طائراتِهم، ولا يُرهبنَّكَ ضجيجُ إعلامِهم؛ فإنَّ ذلكَ كلَّهُ زائِلٌ إلى أَمدٍ محدُود،ٍ ومحكومٌ بوعْدٍ صادقٍ لا يتخلَّفُ؛ فما عندَ اللهِ هو الباقي، وما وعدَ اللهِ فهو الحقُّ.

قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال: ٣٦].

فالعاقبَةُ للمتَّقينَ، وإنْ تأَخَّرتْ، والغلبةُ للحقِّ، وإنْ استُبطِئَتْ، وسُنَنُ اللهِ ماضيَةٌ لا تُحابي أَحدًا، ولا تُجامِلُ باطلًا.

الخُلاصَةُ: لا ينهارُ مؤْمِنٌ أَمامَ قوَّةٍ مخلوقَةٍ، ولا يخضَعُ لصنَمٍ مصنوعٍ؛ لأَنَّهُ متعلِّقٌ بالقويِّ الَّذي لا يُغلَبُ؛ فالذي شقَّ البحرَ لموسىٰ، وجعل النَّارَ بردًا وسلامًا على إبراهيمَ، وحفظَ المصطفى ﷺ في الغارِ؛ لا يزالُ ربًّا قادرًا مدبِّرًا؛ فمَن صحَّتْ صلتُهُ بربِّهِ، تحوَّلَ ضعفُهُ قوَّةً، وانقلبَتْ محنتُهُ منحَةً، وأَضحَتْ هزيمتُهُ بابَ نصرٍ وفتحٍ.

فالزَموا الثَّباتَ، وأَصلِحوا الصُّفوفَ، وخذوا بالأَسبابِ، وعلِّقوا القلوبَ بربِّ الأَسبابِ؛ فإنَّ الفرجَ يولَدُ من رحمِ الكربِ، والنَّصرَ يُستخرجُ من معدِنِ الصَّبرِ.

نسأَلُ اللَّهَ أَن يملأَ قلوبَنا يقينًا، ويُثبِّتَ أَقدامَنا صمودًا، ويعجِّلَ لهذِهِ الأُمَّةِ فتحًا مُبينًا.

عبدالله بن عبدالحميد الأثري

Previous
Previous

ميثاقُ الائتِلافِ: الوحدَةُ والأُخوَّةُ بين أَهلِ السُّنَّةِ؛ بوَّابَةُ النَّصرِ المنشُودِ..

Next
Next

فقهُ الاستِطاعَةِ: تأْصيلٌ منهجيٌّ وميزانُ التَّكليفِ: