فقهُ الاستِطاعَةِ: تأْصيلٌ منهجيٌّ وميزانُ التَّكليفِ:
اعلمْ أَنَّ «فقهَ الاستِطاعَةِ» من أَدقِّ أَبوابِ الفقهِ، وأَعظَمِها أَثرًا في تحقيقِ العبوديَّةِ؛ إذْ بهِ ينضبطُ التَّكليفُ بينَ القُدرَةِ والعجْزِ، ويسلمُ المكلَّفُ من الإفراطِ والتَّفريطِ. وليسَتِ الاستطاعَةُ مجرَّدَ «رُخْصةٍ للتَّركِ» بلْ هي مِعيارٌ للأَداءِ وضابطٌ لتنزيلِ الأَحكام على الواقعِ.
وأَصلُ هذا البابِ قولُهُ تعالى: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ وقولُ النَّبيِّ ﷺ: «إِذا أَمَرْتُكُمْ بأَمْرٍ فأْتُوا مِنْهُ ما اسْتَطَعْتُمْ».
فـالاستطاعَةُ شرطٌ في وُجوبِ الأَوامرِ، وقيدٌ في أَدائها:
أَوَّلًا- الاستِطاعَةُ شرطُ وُجوبٍ لا ذريعَةُ قُعودِ: المفهومُ الشَّرعيُّ للاستطاعَةِ يقومُ على بذلِ أَقصى المجهودِ لا البحثِ عن أَدنى المعاذيرِ؛ فلا واجبَ مع العجزِ، لكن لا يسقطُ أَصلُ التكليفِ معَ القدرَةِ؛ فمَن عجزَ عن صورةٍ من العبادَةِ، انتقلَ إلى ما دونها، ولا يسقطُ عنهُ أَصلُها.
ثانيًا- التَّكليفُ مُناطٌ بالوسْعِ: الأَحكامُ تدورُ معَ القدرَةِ وجودًا وعدمًا؛ فما عُجِزَ عنهُ سقط، وما أُمكن فِعلُهُ بقي في الذِّمَّةِ. وهذا يقتضي تنزيلَ الأَحكامِ على الواقعِ بعدلٍ وبصيرَةٍ.
ثالثًا- التَّفريقُ بينَ العجْزِ الحقيقيِّ والمتَوهَّمِ: الخللُ المنهجيُّ يظهرُ حين يجعلُ كلُّ ضعفٍ عجزًا، والصَّوابُ أَنَّ الاستطاعةَ مراتب:
١- استطاعةُ بيان: قولُ الحقِّ وكشفُ الباطلِ.
٢- استطاعةُ إعداد: تحصيلُ أَسبابِ القوَّةِ علميًا وماديًا.
٣- استطاعةُ تغيير: إزالةُ المنكرِ وإقامَةُ الواجبِ.
فمَن عجزَ عن الأَعلى، لم يسقط عنهُ الأَدنى.
رابعًا- قاعدَةُ: «الميسُورُ لا يسقُطُ بالمعسُورِ»: وهذِهِ قاعدَةُ البابِ؛ فإذا تعذَّرَ الكمالُ، لم يسقطِ الممكن. وتركُ الميسورِ بحجَةِ تعذُّرِ المعسورِ انحرافٌ في الفهمِ وهروبٌ من التَّكليفِ.
خامسًا- الاستِطاعَةُ والانتِقالُ إلى البَدلِ: من أُصولِ هذا الفقهِ: الانتقالُ من الأَصلِ إلى البدلِ عندَ العجزِ؛ كالقعودِ بدلَ القيامِ، والتَّيممِ بدلَ الماءِ. وهذا يرسِّخُ أَنَّ التَّكليفَ لا ينقطِعُ، بلْ يتكيَّفُ بحسبُ القُدرَةِ.
سادسًا- العزيمَةُ والرُّخصَةُ: الأَصلُ هو العزيمةُ، والرُّخصةُ مشروعَةٌ عندَ وجودِ سببِها، دونَ توسُّعٍ يُفضي إلى التَّسيُّبِ، ولا تضييقٍ يُفضي إلى المشقَّةِ.
سابعًا- الاستِطاعَةُ بينَ العلمِ والإرادَةِ: كثيرٌ من صورِ العجزِ إنَّما هي عجزُ إرادةٍ لا عجزُ قدرَةٍ؛ فمَن صدقت إرادتُهُ، وسَّعَ اللهُ لهُ أَبوابَ الاستطاعَةِ:﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾.
ثامنًا- مسؤُوليَّةُ «المقدُورِ عليهِ»: المكلَّفُ مُطالَبٌ بما في دائرةِ قدرتِهِ: في نفسِهِ، وبيتِهِ، وعلمِهِ، وتأثيرِهِ.والانشغالُ بما لا يُستطاع، مع تضييعِ ما يُستطاع؛ خللٌ في الفهمِ ومخالفةٌ لمقصدِ الشَّارعِ.
الخلاصةُ المنهجيَّةُ: فقهُ الاستطاعَةِ هو فقهُ الحركةِ لا السُّكونِ، وفقهُ العملِ بالمُمْكنِ لا التَّعلُّقِ بالمستحيلِ. فالمؤمنُ: يأتي بما يستطيعُ، ويتَّقي اللهَ ما اسْتطاعَ، ولا يتركُ واجبًا بحُجَّةِ العجزِ، ولا يكلِّفُ نفسَهُ ما لا يُطيقُ؛ فالزمْ ثغركَ الذي تُطيقُهُ، وأَقمْ فيهِ دينَ ربِّكَ؛ تسلَمْ من التَّفريطِ، وتبرأْ من عُهدَةِ التَّكليفِ، وتفُزْ بأَداءِ الأَمانَةِ.
نسأَلُ اللهَ أَنْ يُفقِّهنا في دينِنا، وأَنْ يجعَلنا من العاملينَ بالعلمِ، الرَّاسخينَ في المنهجِ.
عبدالله بن عبدالحميد الأثري

