اللَّيلَةُ السابعةُ: ليلَةُ (٢٧): »ليلَةُ الرَّجاءِ العظيم«..
أخي الصائم القائم المقبل على ربه الغفور الكريم!
اعلمْ أَنَّ هذهِ الليلةَ من أَعظمِ ليالي العام؛ بلْ هي - في ظنِّ كثيرٍ من أَهلِ العلمِ - أَرجى ليالي العشرِ أَن تكونَ ليلةَ القَدْرِ التي جعلَ اللهُ فضلَها فوقَ أَعمارٍ طويلة؛ إذ قالَ سبحانَه: ﴿لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾.
فهي ليلةٌ تتنزَّلُ فيها الرَّحمات، وتُفتَحُ فيها أَبوابُ السَّماءِ، وتُغفَرُ فيها الذُّنوبُ لـمَنْ صدقَ مع اللهِ قيامًا وإيمانًا واحتسابًا.
وقدْ قالَ النبيُّ ﷺ: «مَنْ قامَ ليلةَ القَدْرِ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ لهُ ما تقدَّمَ من ذنبِهِ».
فتأَمَّلْ - رحمكَ اللهُ - هذا الفضلَ العظيم: عملُ ليلةٍ واحدةٍ قد يبدِّلُ صحيفةَ عمرٍ كامل، ويحوِّلُ العبدَ من ديوانِ الـمُذنبينَ إلى ديوانِ الـمَرحومين.
ولكن اعلمْ أَنَّ إدراكَ «ليلةِ القَدْرِ» ليسَ بـكثرةِ الحركةِ، بل بـصدقِ القلبِ وإخلاصِ التوجّه؛ فربَّ ركعاتٍ قليلةٍ قامَها عبدٌ بـقلبٍ حاضرٍ رفعتْ درجتَهُ عندَ اللهِ درجاتٍ لم يبلغْها بـكثرةِ عملٍ بلا حضور.
يا عبدَ الله! هذهِ ليلةُ الدُّعاءِ والانكسارِ، ليلةُ القلوبِ الخاشعةِ والدُّموعِ الصَّادقةِ؛ فيها تُرفعُ الأَكفُّ إلى السَّماءِ، وتُسكبُ العَبراتُ بين يدي الرحمن، ويقفُ العبدُ بين الخوفِ والرجاءِ كـالمسكينِ على بابِ الكريم؛ فأَكثرْ فيها من الدُّعاءِ الذي علَّمهُ النبيُّ ﷺ لأُمِّ المؤمنينَ عائشةَ ـ رضي الله عنها - حين سأَلتْهُ: «اللَّهُمَّ! إنَّكَ عَفُوٌّ تحبُّ العَفْوَ فاعْفُ عنِّي».
واجعلْ همَّكَ في هذهِ الليلةِ ثلاثةَ أُمورٍ: توبةً صادقةً تمحو ما مَضى، ودعاءً خاشعًا يصلحُ ما بَقي، وقلبًا جديدًا يخرجُ من رمضانَ غيرَ الذي دخلَ به.
واعلمْ أَنَّ العبرةَ بـالخواتيم؛ فكم من عبدٍ فاتَهُ أَولُ الشهرِ ثم أَدرك رحمةَ اللهِ في آخرِهِ، وكم من قلبٍ وُلد من جديدٍ في سجدةٍ صادقةٍ في هذهِ الليلةِ الـمُباركةِ.
فاجتهدْ في قيامِها، وأَخلصْ لربِّكَ فيها؛ فلعلَّ اللهَ يكتبكَ في هذهِ الليلةِ في ديوانِ الـمَعتوقينَ من النَّارِ، ويجعلُها بدايةَ حياةٍ جديدةٍ بينكَ وبينَهُ؛ فإنَّ ليلةً واحدةً من الصِّدقِ مع اللهِ، قد تغيِّرُ مسارَ عمرٍ كامل.
كتبهُ: عبد ا$ بن عبد الحميد الأَثري.

